الدولة والمشروع الاستراتيجي
خطاب العرش 2026: حين تتحول الدولة إلى مشروع استراتيجي
ليست قوة الدول في عدد المشاريع التي تطلقها، ولا في حجم الأرقام التي تحققها، وإنما في قدرتها على تحويل الإنجاز إلى مسار تاريخي متواصل، تتكامل فيه المؤسسات، وتترسخ فيه الثقة، وتستمر فيه السياسات الكبرى بعيداً عن تقلبات الظرف السياسي. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب العرش لسنة 2026 باعتباره أكثر من خطاب احتفالي أو مناسبة دستورية سنوية، إنه خطاب يقدم تصوراً متكاملاً لفلسفة الدولة المغربية كما تبلورت خلال سبعة وعشرين عاماً من حكم الملك محمد السادس، ويحدد ملامح المرحلة المقبلة في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
ولعل العبارة الأكثر دلالة في الخطاب هي تأكيد جلالة الملك أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة توجه استراتيجي واضح، ومذهب في الحكم، يقوم على المبادرة والمتابعة الدقيقة، والنقد الذاتي البناء، والتطلع إلى المستقبل. فهذه العبارة لا تختزل حصيلة مرحلة فحسب، بل تكشف عن رؤية في ممارسة السلطة وتدبير الشأن العام، قوامها الاستمرارية والتراكم والتقييم المستمر، بما يجعل الإصلاح عملية متواصلة لا ترتبط بإيقاع الحكومات أو الظرفيات السياسية.
من هذا المنطلق، لا يقدم الخطاب منجزات الدولة باعتبارها غاية في ذاتها، وإنما باعتبارها حلقات في مشروع وطني طويل النفس. ولذلك لم يكتف باستعراض مؤشرات النمو، أو تطور القطاعات الصناعية، أو توسع الاستثمارات، بل ربطها جميعاً بفكرة مركزية هي بناء دولة قادرة على حماية اختياراتها الاستراتيجية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحولات الدولية. وهنا تتجلى إحدى أبرز سمات الخطاب، وهي الانتقال من منطق الإعلان عن المشاريع إلى منطق ترسيخ أثرها واستدامة نتائجها.
ويبرز مفهوم الاستقرار باعتباره الركيزة الأولى في هذه الرؤية. فالخطاب لا يتعامل مع الأمن والاستقرار باعتبارهما معطيين طبيعيين، وإنما يقدمهما باعتبارهما رأس المال الاستراتيجي للمغرب، في عالم يتسم بتصاعد الأزمات وتزايد حالة عدم اليقين. وبهذا المعنى، يصبح الاستقرار شرطاً لجذب الاستثمار، وحماية الاقتصاد، وضمان استمرارية الإصلاحات، وليس مجرد هدف سياسي في حد ذاته.
كما يعكس الخطاب تحولاً واضحاً في مفهوم السيادة الوطنية. فهي لم تعد تقتصر على الدفاع عن الوحدة الترابية أو حماية الحدود، بل أصبحت تمتد إلى السيادة الصناعية، والطاقية، والغذائية، والدوائية، والدفاعية، والرقمية. فالحديث عن صناعة السيارات والطيران، والهيدروجين الأخضر، والبطاريات الكهربائية، والصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، ليس استعراضاً لقطاعات اقتصادية ناجحة، وإنما إعلان عن توجه استراتيجي يرمي إلى تمكين المغرب من أدوات القوة الاقتصادية والتكنولوجية، في سياق عالمي أصبحت فيه القدرة الإنتاجية جزءاً من القوة الجيوسياسية للدول.
وفي المقابل، لم يغفل الخطاب البعد الاجتماعي، بل أكد أن التنمية لا تكتمل إلا إذا انعكست على حياة المواطنين. لذلك جاء التشديد على مواصلة تعميم الحماية الاجتماعية، وتفعيل برامج التنمية الترابية المندمجة، وتقوية آليات تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة، باعتبارها أدوات لتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية. وهذه المقاربة تعكس فلسفة متوازنة تجعل النمو الاقتصادي وسيلة لتعزيز التماسك الاجتماعي، لا غاية منفصلة عنه.
ومن بين أكثر الرسائل السياسية دلالة في الخطاب، ما يتعلق بالانتخابات التشريعية المقبلة. فالملك لم يتناولها من زاوية التنافس الحزبي أو تشكيل الأغلبية الحكومية، وإنما ربطها بإطلاق دورة جديدة في مسارنا التنموي، شعارها تحصين المكاسب، ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى. وتحمل هذه الصياغة دلالة دستورية وسياسية واضحة، مؤداها أن التداول الديمقراطي يتم داخل إطار استمرارية الدولة، وأن الحكومات تتغير، بينما تظل الاختيارات الوطنية الكبرى ثابتة، لأنها تمثل سياسات دولة لا برامج ظرفية.
ولا يعني ذلك الحد من دور الحكومة المقبلة، بل يؤكد أن نجاحها سيقاس بقدرتها على تطوير أدوات التنفيذ، والرفع من نجاعة السياسات العمومية، وتحويل التوجهات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن. ومن هنا، فإن الخطاب يعيد تعريف معيار النجاح السياسي؛ فلم يعد كافياً الإعلان عن المبادرات أو إطلاق الأوراش، بل أصبح الرهان الحقيقي هو قياس أثرها في التشغيل، وجودة الخدمات، وتقليص الفوارق، وتعزيز ثقة المواطن في المؤسسات.
كما يلفت الانتباه تأكيد الخطاب أن المكاسب التي حققها المغرب تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني، وهذه العبارة تعكس تصوراً مؤسساتياً عميقاً، قوامه أن التنمية المستدامة لا تُبنى بمنطق الدورات الانتخابية القصيرة، وإنما بمنطق التراكم والاستمرارية. وهي دعوة ضمنية إلى جميع الفاعلين السياسيين لجعل التنافس الديمقراطي وسيلة لتحسين الأداء، لا سبباً في تعطيل المشاريع أو التشكيك في الخيارات الاستراتيجية للدولة.
وعلى الصعيد الخارجي، يرسخ الخطاب صورة المغرب كفاعل دولي موثوق، استطاع أن يبني شراكات متنوعة ومتوازنة، وأن يعزز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي. غير أن اللافت هو أن هذا الحضور لم يُقدم باعتباره نجاحاً منفصلاً عن الداخل، بل نتيجة مباشرة لاستقرار المؤسسات، وقوة الاقتصاد، ووضوح الرؤية الاستراتيجية. وبذلك، يؤكد الخطاب أن السياسة الخارجية الناجحة تبدأ من بناء دولة قوية في الداخل، وقادرة على تحويل مكتسباتها الوطنية إلى عناصر تأثير في محيطها الإقليمي والدولي.
وبالتالي، لا يبدو خطاب العرش لسنة 2026 خطاباً لتعداد الإنجازات أو الاحتفاء بها، بقدر ما يشكل إعلاناً عن مرحلة جديدة عنوانها استدامة الإنجاز. فالمغرب، كما يقدم نفسه في هذا الخطاب، لا يبحث عن نجاحات ظرفية، وإنما يعمل على ترسيخ نموذج للدولة يجمع بين الاستقرار، والسيادة، والتنافسية، والعدالة الاجتماعية، واستمرارية الإصلاح. ومن هنا، فإن الرسالة الأعمق للخطاب هي أن مستقبل الدول لا يصنعه حجم ما تنجزه فقط، بل قدرتها على حماية منجزاتها، وتطويرها، وتحويلها إلى رصيد استراتيجي يخدم الأجيال القادمة.
والمسألة هنا تدلي إلى أن خطاب العرش لسنة 2026 لا يقدم فقط قراءة لحصيلة مرحلة، بل يؤسس لرؤية استراتيجية لمغرب ما بعد الانتخابات التشريعية. فهو يجدد التأكيد على أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بحجم المشاريع التي تنجزها، وإنما بقدرتها على تحويل تلك المشاريع إلى تنمية مستدامة، وعدالة مجالية، ومؤسسات أكثر نجاعة، وثقة متبادلة بين الدولة والمواطن.
غير أن نجاح هذه الرؤية يظل رهيناً بقدرة مختلف الفاعلين، من حكومة وأحزاب وإدارة ومؤسسات اقتصادية ومالية، على ترجمة التوجيهات الملكية إلى سياسات عمومية فعالة، تقوم على الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وقياس الأثر الحقيقي للإصلاحات على حياة المواطنين. فالتحدي الذي يطرحه الخطاب لا يكمن في إطلاق أوراش جديدة بقدر ما يتمثل في تعظيم مردودية الأوراش القائمة، وتسريع تنفيذها، وضمان استفادة مختلف جهات المملكة من ثمارها.
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار خطاب العرش لسنة 2026 إعلاناً عن انتقال نوعي في فلسفة تدبير الدولة، انتقال من منطق الإنجاز الكمي إلى منطق الأثر الاستراتيجي، ومن تقييم الحصيلة إلى بناء المستقبل. وهي رسالة لا تهم الحكومة المقبلة وحدها، بل تمثل دعوة إلى تجديد الثقافة السياسية والإدارية، حتى يصبح الأداء العمومي أكثر ارتباطاً بالنتائج، وأكثر قدرة على مواكبة التحولات الوطنية والدولية.
ويبقى الرهان الحقيقي، في نهاية المطاف، هو أن تتحول هذه الرؤية الاستراتيجية إلى واقع يلمسه المواطن في جودة التعليم والصحة، وفي فرص الشغل، وفي عدالة التنمية بين الجهات، وفي ترسيخ الثقة في المؤسسات. فعندما يصبح أثر السياسات العمومية محسوساً في الحياة اليومية، تتحقق الغاية الأسمى لأي مشروع تنموي، ويترسخ النموذج الذي يجعل من الاستقرار والإصلاح المتدرج ركيزتين لبناء مغرب أكثر قوة وتماسكاً وازدهاراً.
-عدلة موثقة باستئنافية طنجة – محللة سياسية
The post الدولة والمشروع الاستراتيجي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.