الدولة والعقيدة

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

محمود الخراط

 

 

تُشكل العلاقة بين "الدولة" ككيان سياسي وإداري، و"العقيدة" كمنظومة فكرية أو دينية، أحد أكثر النقاشات الفلسفية والسياسية تعقيداً في العصر الحديث. وتتأرجح هذه العلاقة تاريخياً وعملياً بين اتجاهين: هل الدولة في خدمة العقيدة، أم أن العقيدة في خدمة الدولة؟ وفي محاولة للإجابة عن هذا السؤال، تبرز الأنظمة السياسية كأدوات لتسيير هذه العلاقة، إلا أن الغاية الأسمى لأي نظام حديث يجب أن تتجاوز هذه الجدلية لتصل إلى خلاصة حتمية: الدولة يجب أن تكون حصراً في خدمة الشعب.
في بلد متعدد الطوائف والثقافات مثل لبنان، تكتسب هذه الجدلية أبعاداً مصيرية ترتبط مباشرة بالاستقرار السياسي وبناء الهوية الوطنية.
 هل الدولة لخدمة العقيدة؟
في الأنظمة الثيوقراطية أو الدينية الصرفة، تُبنى الدولة على أساس أنها أداة تنفيذية لحماية العقيدة ونشرها، وتُستمد القوانين والتشريعات من النصوص الدينية.
• في الواقع اللبناني: يظهر بوضوح استحالة تطبيق هذا النموذج. فلبنان بلد يتميز بتنوعه الفريد ويضم 18 طائفة معترفاً بها رسمياً، ولكل طائفة عقيدتها، ومقدساتها، ونظام أحوالها الشخصية.
• النتيجة: إن محاولة جعل الدولة اللبنانية في خدمة عقيدة محددة تعني حكماً إلغاء المكونات الأخرى، وتدمير صيغة العيش المشترك، وفتح الباب أمام الحروب الأهلية والنزاعات الوجودية. لكي تحافظ الدولة على دورها كحكم عادل، يجب أن تقف على مسافة واحدة من الجميع من خلال "الحياد العقائدي الإيجابي".

هل العقيدة لخدمة الدولة؟ 
في المقابل، يظهر الوجه الآخر للعملة حيث تُستغل العقيدة والانتماء الديني لخدمة مآرب سياسية وتثبيت أركان السلطة.
• في الواقع اللبناني: تحول الدين والطائفة إلى أداة أساسية تستخدمها المنظومة الحاكمة لـ التعبئة السياسية والانتخابية. تُستحضر الشعارات العقائدية في الأزمات لتخويف المكونات من بعضها البعض، ما يضمن لزعماء الطوائف ولاءً أعمى وتحصيناً ضد المحاسبة أو التغيير.
• النتيجة: بدلاً من أن يكون الدين رافداً للقيم الأخلاقية والإنسانية، جرى توظيفه نفعياً لخدمة نظام المحاصصة الطائفية واستمراريته على حساب مفهوم المواطنة.

الخروج من دوامة "توظيف العقيدة" أو "انحياز الدولة" يتطلب صياغة عقد اجتماعي جديد يرتكز على فكرة واحدة: الدولة أداة وظيفية لخدمة الإنسان ومصالح الشعب الحياتية والاقتصادية والأمنية. لترجمة هذا الفكر المدني في جغرافية معقدة مثل لبنان، يتطلب الأمر تبني مسارين بنيويين متكاملين: الفيدرالية والإصلاح الانتخابي.
الفيدرالية كإطار لحماية التنوع والإنماء المحلية
تُقدم الفيدرالية حلاً واقعياً لإنهاء صراع الهويات والعقائد في مركز السلطة، عبر توزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم:
• الأقاليم (السلطة المحلية): يتولى كل إقليم إدارة شؤونه الخدماتية واليومية (مثل الجباية، الصحة، التعليم، البنى التحتية، وقوانين الأحوال الشخصية)، ما يمنح كل مكون طمأنينة ثقافية واجتماعية في بيئته دون خوف من تهميش أو هيمنة من المكون الآخر.
• الدولة المركزية: تنحصر صلاحيات الحكومة الفيدرالية في الملفات السيادية الكبرى التي تهم الشعب ككل (السياسة الخارجية، الدفاع الوطني وحماية الحدود، والسياسة النقدية والاقتصادية الكلية).

إصلاح النظام الانتخابي لإنتاج نخب مدنية عابرة للطوائف
لكيلا تتحول الفيدرالية إلى كانتونات طائفية متناحرة، يجب إصلاح قانون الانتخابات لضمان صهر الكفاءات برامجياً لا طائفياً:
• دائرة وطنية واحدة بنظام نسبي خارج القيد الطائفي: يُلغى اشتراط الانتماء الطائفي للمقاعد النيابية في البرلمان المركزي، ويصبح الترشح والانتخاب مبنياً على برامج سياسية واقتصادية واجتماعية تخدم المواطن كفرد.
• مجلس الشيوخ لحفظ التوازن: بالتوازي مع تحرير مجلس النواب، يُنشأ "مجلس شيوخ" تُمثل فيه العائلات الروحية (الطوائف) وتقتصر صلاحياته حصراً على القضايا الكيانية والمصيرية، ليكون صمام أمان يمنع أي استقواء فئوي.

إن الانتقال من الجدلية العقيمة لـ "توظيف الدين في السياسة" إلى مساحة "دولة المواطنة والخدمة" هو الممر الإلزامي لإنقاذ لبنان. عندما تتحول الدولة إلى خادمة للشعب عبر تأمين الطبابة والتعليم وفرص العمل والعدالة بشكل مباشر ودون وساطة زعامات طائفية، تسقط الشعارات التجييشية وتذوب الفوارق. إن دمج الفيدرالية بالإصلاح الانتخابي يضمن الحفاظ على التنوع العقائدي والثقافي الثري للبنان، وفي الوقت نفسه، يبني مؤسسات حديثة وفعالة تضع كرامة الإنسان ومصالحه فوق أي اعتبار آخر.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية