الدولة اللبنانية ليست مذنبة... لكنّها مسؤولة
رشا جابر *
في كتابه "فن اللامبالاة"، ينقل الكاتب مارك مانسون مقولة نسبها إلى أحد الفلاسفة: "المسؤولية الكبرى ترافق السلطة الكبرى". ثم يتوقف عندها ليقترح صيغة معاكسة يراها أكثر منطقية في الحياة: "السلطة الكبرى ترافق المسؤولية الكبرى". فبرأيه، ليست المسؤولية مرتبطة دائماً بمن تسبب بالمشكلة، بل كثيراً ما تُفرض على من يمتلك القدرة أو الواجب للتعامل معها.
يضرب مانسون مثالاً بسيطاً لكنه شديد الدلالة: لو استيقظت صباحاً ووجدت طفلاً حديث الولادة على باب منزلك، فلا أحد يستطيع أن يلومك على وجوده هناك، لأنك لم تكن سبباً في ذلك. لكن، منذ اللحظة التي أصبح فيها الطفل أمام بابك، صار التعامل مع وضعه مسؤوليتك. عليك أن تختار: هل تتصل بالجهات المختصة؟ هل تؤمّن له الرعاية؟ هل تتجاهله؟ ومهما كان قرارك، فإنك ستكون مسؤولاً عن النتائج المترتبة عليه، حتى وإن لم تكن مسؤولاً عن أصل المشكلة.
ما الرابط مع واقع لبنان؟
عندما قرأت هذه الفكرة، وجدت نفسي أربطها تلقائياً بما جرى، ولا يزال، في لبنان، بدءاً من "حرب الإسناد" وصولاً إلى الاتفاق الإطاري اليوم.
لقد أدخل "حزب الله" لبنان في حربي إسناد من دون العودة إلى الدولة اللبنانية أو مؤسساتها الدستورية، ومن دون أن يكون قرار الحرب قراراً وطنياً جامعاً. صحيح أن إسرائيل لم تكن بحاجة إلى مبرر لممارسة عدوانها، فهي تملك تاريخاً طويلاً من الاعتداءات والانتهاكات، لكن هذه الحرب منحتها ذريعة إضافية، ودفعتها إلى توسيع عملياتها العسكرية بسرعة أكبر، تحت غطاء سياسي وأمني استغلته إلى أقصى الحدود.
من وجهة نظري، ومن وجهة نظر كثيرين، لا يمكن تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية قرار لم تتخذه، ولا وافقت عليه مؤسساتها الدستورية، ولا كانت صاحبة الكلمة فيه. فاللائمة على اتخاذ قرار الحرب لا تقع على الدولة، لأن القرار لم يكن قرارها أساساً. لكن هنا تكمن الفكرة التي أثارها مانسون.
فالتمييز بين اللائمة والمسؤولية هو تمييز بالغ الأهمية. قد لا تكون الدولة مذنبة في ما حصل، لكنها، بعدما وقعت الواقعة، لم تعد تملك ترف التنصل من مسؤولية إدارتها. فالدول لا تختار دائماً الأزمات التي تواجهها، لكنها تُحاسب على كيفية التعامل معها. وهذه، في جوهرها، هي طبيعة الحكم، كما هي طبيعة الحياة نفسها.
مسؤولية الدولة لمعالجة أزمة لم تصنعها
اليوم، وبعد الاتفاق الإطاري، يشعر كثير من اللبنانيين، وأنا منهم، بأن ثمة شيئاً ناقصاً، وبأن الاتفاق لا يحقق العدالة الكاملة، أو أنه يتضمن تنازلات مؤلمة، أو أنه لا يلبّي تطلعات الناس بعد كل ما حصل. وربما يكون هذا الشعور مبرراً، وربما تكشف الأيام تفاصيل إضافية تغيّر نظرتنا إليه.
إلا أن الدولة اللبنانية، في هذه المرحلة، لا تملك رفاهية التفكير بمنطق تسجيل المواقف أو تصفية الحسابات مع الماضي. مسؤوليتها اليوم هي أن تختار الخيار الذي يقلل الخسائر ويحافظ على ما تبقى من الدولة، وأن تميّز بين ما تتحمل اللائمة عليه وما تتحمل مسؤولية معالجته.
فالسياسة، كما الحياة، لا تمنحنا دائماً فرصة البدء من صفحة بيضاء، بل تفرض علينا في كثير من الأحيان التعامل مع وقائع لم نخترها، وأزمات لم نصنعها. وهنا يصبح معيار النجاح ليس في البحث الدائم عن المذنب، بل في امتلاك القدرة على إدارة النتائج بأقل قدر ممكن من الخسائر.
أمامنا أيام، وربما أشهر، قبل أن نستطيع الحكم بإنصاف على أداء الدولة اللبنانية في هذه المرحلة الدقيقة. فهي تفاوض من موقع ضعيف، وتواجه ظروفاً داخلية وخارجية معقدة، وتتحرك ضمن اختلال كبير في موازين القوى، لأسباب بنيوية تراكمت على مدى سنوات، وأخرى فرضتها الوقائع الراهنة.
قد لا تكون اللائمة على الدولة اللبنانية في ما أوصل البلاد إلى هذا المنعطف، لكن ذلك لا يعفيها من مسؤوليتها اليوم. فالفرق كبير بين أن تكون سبباً في المشكلة، وأن تكون مسؤولاً عن التعامل معها. وهذا، في رأيي، هو الدرس الأهم الذي حاول مارك مانسون التعبير عنه، وهو أيضاً أحد أكثر الدروس انسجاماً مع واقع لبنان اليوم.
* كاتبة لبنانية