الدولة الاجتماعية

في مواجهة ثلاثية الاقتصاد غير المهيكل واللامساواة والشيخوخة: قراءة في تقرير المندوبية السامية للتخطيط

يشهد المغرب منذ سنوات تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة تجسدت في إطلاق ورش تعميم الحماية الاجتماعية، باعتباره أحد أكبر المشاريع الإصلاحية في تاريخ الدولة الاجتماعية المغربية. غير أن نجاح هذا الورش لا يرتبط فقط بتوسيع دائرة المستفيدين من الخدمات الاجتماعية، بل يتوقف أيضاً على قدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج الثروة وتوسيع قاعدة المساهمين في تمويل منظومات الحماية والتقاعد والتضامن الاجتماعي.

وفي هذا السياق، يكتسي التقرير الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط حول “القطاع غير المهيكل، النوع الاجتماعي والتحول الديموغرافي: ديناميات التفاوتات التراكمية والانتقال بين الأجيال” أهمية خاصة، لكونه يتجاوز المقاربة الوصفية التقليدية ليقدم قراءة استشرافية للعلاقات المعقدة التي تربط بين الاقتصاد غير المهيكل، وضعف المشاركة الاقتصادية للنساء، وتسارع وتيرة الشيخوخة الديموغرافية.

ومن هنا تثار الإشكالية الآتية:

إلى أي حد تشكل ثلاثية الاقتصاد غير المهيكل والنوع الاجتماعي والتحول الديموغرافي عائقا أمام استدامة الدولة الاجتماعية بالمغرب؟ وكيف يمكن للسياسات العمومية أن تحول هذه التحديات البنيوية إلى فرص لتعزيز العدالة الاجتماعية والإنصاف بين الأجيال؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية، سيتم تناول الموضوع من خلال محورين أساسيين.

أولا: الاقتصاد غير المهيكل والنوع الاجتماعي والشيخوخة الديموغرافية كمنظومة منتجة للتفاوتات التراكمية

تكمن القوة التحليلية للتقرير في اعتباره أن الاقتصاد غير المهيكل، وضعف الإدماج الاقتصادي للنساء، والتحول الديموغرافي ليست ظواهر منفصلة، بل عناصر متداخلة تشكل منظومة متكاملة لإنتاج وإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية عبر الزمن. فحين يستوعب الاقتصاد غير المهيكل الجزء الأكبر من اليد العاملة، فإن ذلك لا يؤدي فقط إلى هشاشة أوضاع الشغل، بل ينعكس أيضاً على ضعف التغطية الاجتماعية ومحدودية الحقوق التقاعدية، ويؤدي إلى تضييق قاعدة المساهمين في تمويل الدولة الاجتماعية.

ويزداد هذا الوضع تعقيدا عندما يقترن بضعف مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، وهو ما يحرم الاقتصاد الوطني من جزء مهم من طاقته الإنتاجية، ويؤدي في الوقت نفسه إلى تعميق الفوارق الاجتماعية بين الجنسين. فالتقرير يبين أن التفاوتات التي تظهر عند سن التقاعد ليست سوى النتيجة النهائية لمسار طويل من الاختلالات المتراكمة التي تبدأ منذ الولوج إلى سوق الشغل، مروراً بطبيعة العمل ومستوى الأجور ودرجة التنظيم المهني، لتنتهي إلى تفاوتات واضحة في مستويات الحماية الاجتماعية والمعاشات.

ويضيف التحول الديموغرافي بعدا أكثر حساسية لهذه المعادلة، حيث تتجه البنية السكانية المغربية تدريجيا نحو ارتفاع نسبة المسنين مقابل تراجع الوزن النسبي للفئات النشيطة. وهذا يعني أن الضغوط المستقبلية على أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية ستزداد بشكل كبير، ليس بسبب الشيخوخة في حد ذاتها، وإنما بسبب تراكم اختلالات سوق الشغل خلال العقود السابقة. ومن ثم فإن الشيخوخة السكانية تبدو في هذا السياق بمثابة كاشف للاختلالات البنيوية أكثر من كونها سببا مباشرا لها.

ثانياً: استدامة الدولة الاجتماعية بين إصلاح الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة سوق الشغل

إذا كان التقرير قد نجح في تشخيص الاختلالات البنيوية، فإنه يقدم في المقابل رسالة استراتيجية بالغة الأهمية مفادها أن مستقبل الدولة الاجتماعية لا يتحدد داخل صناديق التقاعد أو برامج الدعم الاجتماعي فحسب، بل يتحدد أساساً داخل سوق الشغل.

فالتقرير يبين أن السياسات التي تستهدف جانبا واحدا من المشكلة غالبا ما تكون محدودة الأثر. إذ إن رفع معدل النشاط النسائي، أو تشديد الرقابة على القطاع غير المهيكل، أو توسيع التغطية الاجتماعية بشكل منفصل، لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج مستدامة. والسبب في ذلك أن هذه الإجراءات تظل عاجزة عن معالجة الاختلالات البنيوية المرتبطة بضعف الإنتاجية، ومحدودية الاستثمار المنتج، وعدم قدرة الاقتصاد المنظم على استيعاب اليد العاملة الجديدة.

ومن هنا يؤكد التقرير أن نجاح الدولة الاجتماعية يقتضي اعتماد مقاربة مندمجة تجمع بين تطوير التعليم، وتحسين إنتاجية العمل، وتوسيع الطلب على الشغل المنظم، وتقليص معوقات الولوج إلى فرص العمل، مع تعزيز المشاركة الاقتصادية للنساء. فهذه السياسات المترابطة وحدها القادرة على توسيع القاعدة المساهمة وضمان استدامة منظومات الحماية الاجتماعية على المدى الطويل.

ومن زاوية المالية العمومية، تكشف نتائج التقرير أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في تعبئة الموارد اللازمة لتمويل البرامج الاجتماعية، وإنما في بناء اقتصاد قادر على إنتاج تلك الموارد بشكل مستدام. فكل إصلاح اجتماعي يحتاج إلى قاعدة اقتصادية صلبة تسنده، وإلى سوق شغل منتج ومهيكل يضمن التوازن بين الحقوق الاجتماعية والقدرات التمويلية للدولة.

خاتمة

يقدم تقرير المندوبية السامية للتخطيط قراءة استشرافية عميقة لمستقبل الدولة الاجتماعية بالمغرب، من خلال إبراز الترابط الوثيق بين الاقتصاد غير المهيكل، وضعف الإدماج الاقتصادي للنساء، وتسارع التحول الديموغرافي. وتتمثل أهم قيمة مضافة لهذا التقرير في انتقاله من معالجة مظاهر الهشاشة إلى تحليل جذورها البنيوية، بما يسمح بفهم أعمق للكيفية التي تتشكل بها التفاوتات الاجتماعية وتتوارثها الأجيال.

وتؤكد خلاصات التقرير أن الاستدامة المالية والاجتماعية لمنظومة الحماية الاجتماعية لن تتحقق فقط عبر توسيع الحقوق الاجتماعية، وإنما من خلال بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وأكثر قدرة على الإدماج.

فالمعركة الحقيقية للدولة الاجتماعية ليست معركة توزيع الموارد فحسب، بل هي أيضاً معركة إنتاج الثروة وتوسيع قاعدة المساهمين وتعزيز العدالة بين الأجيال. ولذلك فإن مستقبل النموذج الاجتماعي المغربي سيظل رهينا بقدرته على تحقيق التلازم بين الإصلاح الاقتصادي والإدماج الاجتماعي، باعتبارهما وجهين متكاملين لمشروع تنموي واحد.

-أستاذ جامعي

مدير مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية

The post الدولة الاجتماعية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress