الدور السوري في لبنان... ما بين ضبط الحدود والضغط على "حزب الله"
يتقدم الدور السوري في لبنان من منطقة الظل إلى قلب إعادة ترتيب إقليمي لم تكتمل ملامحه بعد. فالمسألة لا تتعلق بسوء فهم لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا بمجرد نفي سوري متكرّر لرغبة دمشق في التدخل العسكري. ما يجري أوسع من ذلك بكثير. فالولايات المتحدة تبحث عن أداة ضغط على "حزب الله" لا تتحمل إسرائيل وحدها كلفتها، فيما تحاول سوريا تحويل هذا الضغط إلى فرصة سياسية واقتصادية وأمنية منخفضة الكلفة، بينما تراقب تركيا وإسرائيل حدود هذا الدور وحجمه من حسابات مختلفة.
وفي ظل تشابك المسارات اللبنانية والإقليمية، يبرز نقاش متزايد حيال طبيعة المهمة التي يمكن أن تؤديها سوريا الجديدة في لبنان، وحدود الدور الذي يُراد لها أن تضطلع به خلال المرحلة المقبلة.
حدود ملتهبة ودور قيد التشكل
على الأرض، تبدو الحدود أكثر تعقيداً مما تسمح به لغة التهدئة. فالتعزيزات المتلاحقة باتجاه القصير والمناطق المقابلة للبقاع والهرمل، والتي أكدتها مصادر عدّة لـ"النهار"، وعودة أسماء من ذاكرة القلمون مثل أبي مالك التلي إلى واجهة المشهد، تجعل الحديث عن "خطوط اقتصادية" بين بلدين مثقلين بالسلاح والتهريب وذاكرة الحرب حديثاً غير مكتمل من دون ترتيبات أمنية موازية.
فالحدود السورية - اللبنانية لم تكن يوماً خطاً هادئاً، بل شبكة متداخلة من المصالح والمعابر والممرات والسكان والسلاح والفلول وإرث الصراع. وأيّ محاولة لتحويلها من ممر للتهريب إلى ممر للمصالح تحتاج إلى قوة ضبط فعّالة، فيما تبقى احتمالات الانزلاق إلى مسارات أخرى قائمة بفعل حادث أمني أو ضغط سياسي أو تفاهمات غير معلنة.
ويزداد المشهد تعقيداً لأن لبنان لم يعد يتحرك ضمن مسار واحد. فهناك مفاوضات لبنانية - إسرائيلية تتناول وقف القتال والانسحاب وسلاح "حزب الله"، ومسار أميركي - إيراني جعل لبنان جزءاً من ترتيبات التهدئة الإقليمية، إلى جانب ضغوط أميركية لاستئناف المسار الأمني السوري - الإسرائيلي.
ضمن هذا السياق، لا تبدو تصريحات ترامب منفصلة عن هندسة سياسية أوسع تسعى إلى إيجاد نقطة توازن بين مصالح متعارضة. فإسرائيل تريد ضمانات أمنية في الشمال والجولان، وإيران تسعى إلى تثبيت موقعها اللبناني عبر التفاوض لا المواجهة، فيما تبحث واشنطن عن صيغة تضبط "حزب الله" من دون ترك الملف بالكامل بيد إسرائيل.
من هنا، يصبح النفي السوري جزءاً من إدارة المشهد أكثر منه نهاية للنقاش، إذ يغلق الباب أمام التدخل العسكري المباشر، ويترك في الوقت نفسه هامشاً لدور حدوديّ وسياسي وأمني قابل للتوسع أو الانكماش وفق تطورات المرحلة.
بين واشنطن وأنقرة وتل أبيب
تتحرك دمشق ضمن هامش ضيّق بين ضغوط متقاطعة لا تلتقي عند مصلحة واحدة. فالولايات المتحدة تريد ضغطاً سورياً يحدّ من نفوذ "حزب الله" من دون الانجرار إلى حرب طويلة. وتركيا تفضّل سوريا مستقرّة وقادرة على ضبط حدودها، لا منخرطة في مواجهة تستنزفها وتمنح إسرائيل مكاسب إضافية. أما إسرائيل فترحّب بإضعاف الحزب، لكنها تنظر بحذر إلى أيّ تمدّد سوري - تركي محتمل نحو لبنان والجولان.
لهذا السبب لا تستطيع دمشق تقديم دورها باعتباره استجابة مباشرة لرغبات واشنطن، ولا باعتباره جزءاً من مواجهة مفتوحة مع "حزب الله"، كما لا تستطيع تسويقه كعودة إلى مرحلة الوصاية السابقة على لبنان.
لذلك تبدو مضطرة إلى اعتماد صيغة مركّبة تقوم على عناوين مثل دعم الدولة اللبنانية، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتطوير التعاون الاقتصادي، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى اللبنانية، بمن فيها "حزب الله". وهي مقاربة تسعى إلى طمأنة واشنطن، وتجنب استفزاز أنقرة، وعدم منح تل أبيب ذرائع إضافية، مع تجنب دفع إيران والحزب إلى التعامل مع سوريا باعتبارها طرفاً في مواجهة مباشرة.
هذا التعقيد يدفع البعض إلى اختزال المشهد بين صورتين متناقضتين: حشود حدودية توحي باستعدادات عسكرية، وخطاب سياسي يتحدّث عن التنمية والحوار، فيما الواقع يبدو أقرب إلى منطقة وسطى بين هذين المشهدين؛ فقد يبدأ الدور السوري من ضبط الحدود وملاحقة التهريب والفلول، ويمرّ عبر قنوات سياسية وأمنية محدودة، قبل أن يتوسّع أو يتراجع تبعاً لمسار المفاوضات والتطورات الميدانية.

ضغط متدرّج لا مواجهة مفتوحة
حتى الآن، يبقى التدخل العسكري الواسع الخيار الأعلى كلفة والأقل واقعية. فالجيش السوري الجديد لا يمتلك تفوّقاً جوياً، ولا منظومات دفاع جويّ متطورة، ولا بنية صاروخية قادرة على حماية العمق السوري في حال توسّعت المواجهة.
كذلك، فإن أيّ تطوير سريع لقدراته يحتاج إلى دعم خارجي كبير تحكمه اعتبارات معقّدة، من بينها إرث العقوبات، والحساسية الإسرائيلية تجاه تسليح الجيش السوري، ورغبة أميركية في إعادة دمج سوريا إقليمياً من دون تحويلها إلى عنصر تصعيد جديد.
لهذا، يبدو الدور السوري أقرب إلى هندسة ضغط متدرّج منه إلى مشروع حرب تقليدية. لكن هذا المسار لا يخلو من المخاطر؛ فأيّ حادث حدوديّ، أو تطور مرتبط بملف الفلول، أو ضربة إسرائيلية تعيد خلط الحسابات، يمكن أن يدفع الدور السوري من منطقة الضغط المحدود إلى مستوى أعلى من الاشتباك. فالجغرافيا التي يجري الحديث عنها ليست محايدة، بل نفس جغرافيا القلمون والقصير والبقاع والهرمل، حيث يصعب الفصل بين الأمن والسياسة، وبين الاقتصاد والسلاح، وبين شبكات التهريب وموازين النفوذ.
كذلك، لا تقتصر التحديات على البيئة الإقليمية. فداخل السلطة السورية نفسها تتعايش مقاربات مختلفة تجاه "حزب الله"، إذ هناك من يفضّل التهدئة بوصفها خياراً سياسياً وأمنياً، وهناك من لا يريد أن يظهر بمظهر من يترك الحزب وإيران يحددان قواعد اللعبة، أو يكتفي بمراقبة إسرائيل وهي ترسم حدود المواجهة وحدها.
في المحصلة، تبدو القضية مرتبطة بدرجات متفاوتة من الانخراط السوري في لبنان أكثر مما ترتبط بسؤال التدخل العسكري المباشر. فقد يبدأ الدور من الاقتصاد والتنمية وضبط الحدود، وقد يتطور إلى تفاهمات أمنية محدودة، أو يتخذ أبعاداً مختلفة إذا تبدلت المعادلات الميدانية والإقليمية.
أما الثابت الوحيد حتى الآن، فهو أن لبنان عاد مجدداً ساحة لتقاطعات إقليمية تتجاوز حدوده، وأن سوريا الجديدة تدخل هذه الساحة وهي تحاول الظهور كصاحبة مبادرة، فيما لا يزال من المبكر الجزم بما إذا كانت ترسم دورها بنفسها، أم تتفاوض على دور يُرسم لها.