الدلتا الجديدة في مصر... رهان زراعي بـ800 مليار جنيه لتوسيع الأرض وخفض فاتورة الغذاء
افتتحت مصر مشروع "الدلتا الجديدة" باعتباره أحد أكبر مشاريع التوسع الزراعي في البلاد خلال السنوات الأخيرة، في محاولة لإضافة كتلة إنتاجية جديدة خارج الوادي والدلتا القديمة، وتقليل انكشاف القاهرة أمام تقلبات أسعار الغذاء العالمية، فما هو هذا المشروع وحجم استثماراته، ولماذا قررت مصر تنفيذه الآن، وكيف تستفيد القاهرة منه؟
ما هو مشروع "الدلتا الجديدة"؟
المشروع هو توسع زراعي وتنموي متكامل في المنطقة الشمالية الغربية لمصر، قرب محور روض الفرج–الضبعة، ويربط ظهيراً صحراوياً بين محافظات مثل الجيزة والبحيرة ومطروح. هدفه تحويل مساحات صحراوية واسعة إلى أراضٍ منتجة، عبر بنية تحتية ضخمة تشمل شبكات طرق، محطات رفع ومعالجة مياه، ترع وقنوات ري، صوامع تخزين، ومجمعات تصنيع وتعبئة للمنتجات الزراعية.
القلب التشغيلي للمشروع يرتبط بمشروع «مستقبل مصر» للزراعة المستدامة، الذي وصفته الرئاسة المصرية سابقاً بأنه «باكورة مشروع الدلتا الجديدة»، مع استهداف استصلاح 1.05 ملايين فدان ضمن إجمالي مساحة الدلتا الجديدة البالغة 2.2 مليون فدان غرب دلتا النيل، أي ما يعادل قرابة 15% من مساحة الأراضي الزراعية الحالية في مصر، وفق بيانات وتصريحات رسمية لمجلس الوزراء المصري.
حجم الاستثمارات
وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إن تكلفة المشروع تصل إلى نحو 800 مليار جنيه، بما يعادل تقريباً 15 إلى 16.5 مليار دولار، بحسب سعر الصرف المستخدم في التقديرات المنشورة، وبمتوسط تكلفة يتراوح بين 350 ألفاً و400 ألف جنيه للفدان، مشيراً إلى إنشاء شبكة طرق تصل إلى 12 ألف كيلومتر ضمن الأعمال المرتبطة بالمشروع.
ويقول خبير التخطيط العمراني محمود عصام لـ"النهار" إن هذه التكلفة لا تعكس زراعة الأرض فقط، بل تشمل تجهيز البنية الأساسية الثقيلة، مثل نقل المياه بعكس الميل الطبيعي، محطات الرفع، الكهرباء، الطرق، شبكات الري، وتجهيز الأراضي؛ لذلك تبدو تكلفة الفدان مرتفعة مقارنة بمشاريع زراعية تقليدية، لأنها تكلفة "تأسيس إقليم زراعي جديد" أكثر من كونها تكلفة زراعة موسمية.
كيف يحصل المشروع على المياه؟
يقول عصام إن المشروع يعتمد على تجميع مياه الصرف الزراعي من محافظات الدلتا ومعالجتها معالجة ثلاثية ثم نقلها إلى الأراضي الجديدة.
ووفق تصريحات السيسي، جرى إنشاء مسارين رئيسيين لنقل المياه بطول يقارب 150 كيلومتراً لكل مسار، إضافة إلى 19 محطة رفع رئيسية، لأن نقل المياه يتم عكس الميل الجغرافي الطبيعي للأرض.
.jpg)
وتُعد محطة معالجة مياه الدلتا الجديدة/الحمام جزءاً مركزياً من هذه المنظومة، بطاقة إنتاجية تبلغ 7.5 ملايين متر مكعب يومياً من مياه الصرف الزراعي المعالجة، وتصفها شركة حسن علام بأنها أكبر منشأة لمعالجة المياه في العالم وفق أرقام غينيس، وتدعم استصلاح نحو 2 مليوني فدان في غرب الدلتا.
مزايا المشروع
ويعدّد الخبير عصام مزايا مشروع الدلتا الجديدة، مشيراً إلى أن الميزة الأولى تكمن في زيادة الرقعة الزراعية في بلد يعيش أغلب سكانه على شريط ضيق حول النيل، لذلك فإن إضافة 2.2 مليوني فدان تمثل توسعاً كبيراً قياساً بالمساحة الزراعية الحالية، وتخفف الضغط على الأراضي القديمة في الوادي والدلتا.
والميزة الثانية هي إعادة استخدام المياه بدلاً من الاعتماد الكامل على مياه النيل أو المياه الجوفية، إذ تعاني مصر من ضغط مائي مزمن؛ وتشير منظمة الفاو إلى أن البلاد تقع تحت إجهاد مائي مع نحو 500 متر مكعب فقط من الموارد المائية المتجددة للفرد سنوياً، وهو مستوى شديد الانخفاض مقارنة بخط الفقر المائي الشائع عند 1000 متر مكعب للفرد.
والميزة الثالثة، بحسب عصام، هي القرب اللوجستي، إذ إن موقع المشروع قرب محاور طرق وموانئ ومطارات مثل الإسكندرية والدخيلة ودمياط وسفنكس وبرج العرب يمنحه ميزة في نقل مستلزمات الإنتاج وتصدير المنتجات الزراعية عالية القيمة.
والميزة الرابعة هي خلق سلسلة قيمة زراعية لا تقتصر على الزراعة، فالمشروع يشمل التخزين والتعبئة والتصنيع الغذائي، وهي نشاطات ترفع القيمة المضافة وتخلق وظائف في النقل والتبريد والصناعات الغذائية والخدمات اللوجستية.
ووفق تصريحات رسمية، تعمل نحو 150 شركة في الإنتاج الزراعي فقط داخل المشروع، إلى جانب مئات الشركات في نشاطات أخرى.
كيف تستفيد القاهرة من "الدلتا الجديدة"؟
يرى عصام أن الفائدة الأولى هي الأمن الغذائي، فمصر مستورد كبير للقمح والأعلاف، وقال السيسي إن البلاد تستورد سنوياً ما بين 14 و17 مليون طن من الأعلاف بخلاف واردات القمح، كما توقعت وزارة الزراعة الأميركية أن تصل واردات مصر من القمح في موسم 2026/2025 إلى نحو 12.7 مليون طن.
والفائدة الثانية هي تخفيف ضغط العملة الأجنبية، فكل طن قمح أو ذرة أو علف يجري إنتاجه محلياً، أو كل محصول عالي القيمة يجري تصديره، يقلل جزئياً الحاجة إلى الدولار، سواء عبر إحلال الواردات أو زيادة حصيلة الصادرات الزراعية.
والفائدة الثالثة هي توفير وظائف، فالمشروع يوفر نحو مليوني فرصة عمل مستدامة، وتشير التغطيات إلى أن الوظائف لن تكون زراعية فقط، بل تمتد إلى الري، الكهرباء، الطرق، التخزين، التصنيع الغذائي، النقل، الصيانة والخدمات.
والفائدة الرابعة هي توسيع دور القطاع الخاص في الزراعة المنظمة، فالدولة تنفذ البنية الأساسية وتحدد الأولويات الاستراتيجية للمحاصيل، بينما تتولى شركات خاصة جانباً كبيراً من التشغيل الزراعي وفق دورات إنتاج متفق عليها.
العائد الاقتصادي
ويشير عصام إلى أن العائد الاقتصادي يتمثل في 4 قنوات رئيسية هي قيمة الإنتاج الزراعي المحلي من المحاصيل الاستراتيجية والتصديرية، وخفض فاتورة الاستيراد، خصوصاً في الأعلاف والقمح والذرة جزئياً، وزيادة الصادرات الزراعية من محاصيل عالية القيمة مثل البطاطس والعنب وبعض الخضر والفاكهة، ورابعاً الإيرادات غير المباشرة من الضرائب، التشغيل، النقل، التخزين، التصنيع الغذائي، والخدمات المرتبطة بالمشروع.
ويقول إن الاستراتيجية لا تستهدف الاكتفاء الذاتي المطلق من القمح والذرة، بل تعظيم العائد المالي من وحدة المياه عبر مزيج من محاصيل استراتيجية ومحاصيل تصديرية عالية القيمة، بما يسمح بتقليص الفجوة الغذائية بأقل استهلاك مائي ممكن.
لماذا أطلقت مصر المشروع الآن؟
يرى الخبير عصام أن التوقيت يرتبط بثلاثة ضغوط متداخلة، الأول هو النمو السكاني، إذ تحتاج مصر إلى زيادة مستمرة في الغذاء وفرص العمل، والثاني هو تقلب أسواق الغذاء العالمية بعد سنوات من صدمات الحرب في أوكرانيا، اضطرابات الشحن، التضخم، وارتفاع تكاليف التمويل، والثالث هو ندرة المياه، ما يدفع القاهرة إلى تبني مشاريع تعتمد على إعادة استخدام المياه المعالجة بدلاً من التوسع التقليدي المعتمد على النيل وحده.