الدرهم الرقمي والعملات المستقرة: هل تبني الإمارات طبقة جديدة من الاقتصاد غير النقدي؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في نيسان (أبريل) 2025، أعلنت "القابضة" (ADQ) و"العالمية القابضة" (IHC) و"بنك أبوظبي الأول" خططاً لإطلاق عملة مستقرة (stablecoin) مدعومة بالدرهم الإماراتي، بانتظار استكمال الموافقات التنظيمية اللازمة. مرّ الخبر يومها على كثيرين باعتباره تطوراً جديداً في عالم العملات الرقمية، لكنه في الواقع كان مؤشراً إلى مسار أوسع تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة على بنائه منذ سنوات، لا يتعلق بعملة رقمية واحدة أو منصة دفع جديدة، بل بمحاولة إعادة صياغة البنية التحتية للمال في واحد من أكثر اقتصادات المنطقة انفتاحاً على العالم.

ما يجري اليوم في الإمارات لا يمكن اختزاله بمشروع الدرهم الرقمي أو بتنظيم العملات المستقرة. عند جمع القطع المختلفة للصورة، من تطوير العملة الرقمية السيادية إلى تنظيم العملات المستقرة، ومن تجارب المدفوعات العابرة للحدود إلى مشاريع ترميز الأصول العقارية، يتبيّن أن الدولة تراهن على موقع متقدّم في اقتصاد مالي جديد يتشكّل عالمياً، حيث تتحوّل فيه الأموال والأصول والعقود تدريجياً إلى صيغ رقمية قابلة للتداول والتسوية بصورة أسرع وأقلّ تكلفة من الأنظمة التقليدية.

ولعلّ ما يفسّر هذا التوجّه هو حجم التحوّل الجاري في الأسواق الدولية. قبل خمس سنوات فقط، كانت العملات المستقرة تمثّل قطاعاً محدود الأثر في عالم الأصول الرقمية. أما اليوم، فتجاوزت قيمتها في السوق العالمية الـ 300 مليار دولار، وأصبحت تُستخدَم في تحويلات ومدفوعات وتسويات تُقدَّر بتريليونات الدولارات سنوياً. وفي الوقت نفسه، تتوقّع مؤسسات مالية واستشارية كبرى أن تصل قيمة الأصول المرمّزة عالمياً إلى تريليونات الدولارات خلال العقد المقبل من الزمن، مع انتقال أجزاء متزايدة من أسواق الأسهم والسندات والعقارات إلى بيئات رقمية تعتمد على تكنولوجيات "البلوك تشين".

في سباق من هذا النوع، لا تريد الإمارات أن تكون مجرد مستخدم للتكنولوجيا الجديدة، بل كذلك إحدى البيئات التي تُبنَى فيها هذه الأسواق المبتكرة وتُختبَر فيها نماذج الأعمال الجديدة. من هنا تكتسب فكرة الدرهم الرقمي أهمية تتجاوز بكثير فكرة إصدار نسخة إلكترونية من العملة الوطنية. الدرهم الرقمي الذي يعمل مصرف الإمارات المركزي على تطويره سيصبح، عند دخوله حيز الاستخدام الأوسع شكلاً جديداً من أموال المصرف المركزي، يمكن تداوله وتسويته رقمياً. هو يختلف عن الأموال الموجودة في الحسابات المصرفية التقليدية، لأن هذه الأموال تمثّل التزاماً على المصارف التجارية تجاه عملائها، بينما يمثّل الدرهم الرقمي التزاماً مباشراً على المصرف المركزي نفسه.

 

مصرف الإمارات العربية المتحدة  المركزي (الموقع الرسمي)

 

قد يبدو هذا الفرق تقنياً، لكنه يحمل آثاراً اقتصادية مهمة. كلما أصبحت حركة الأموال أسرع وأكثر مباشرة، انخفضت تكلفة المعاملات وارتفعت كفاءة النشاط الاقتصادي. وفي دولة يؤدي قطاعا التجارة الدولية والخدمات المالية دوراً محورياً في اقتصادها، لا يكون تحسين كفاءة حركة الأموال تفصيلاً تقنياً، بل عنصراً من عناصر التنافسية الاقتصادية.

ولهذا السبب لم يقتصر اهتمام الإمارات على تطوير العملة الرقمية السيادية، بل امتد لكي يشمل بناء إطار تنظيمي واضح للعملات المستقرّة المستخدمة في المدفوعات. العملة المستقرة، بخلاف العملات المشفّرة التقليدية، ترتبط قيمتها بعملة أو أصل محدّد بهدف الحدّ من التقلّبات الحادّة. وقد تحوّل قطاعها خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أسرع قطاعات التكنولوجيا المالية نمواً على مستوى العالم.

لكن التجارب الدولية تظهر أيضاً أن النمو السريع لا يخلو من المخاطر. لقد انهارت بعض المشاريع بصورة مفاجئة، فيما واجهت مشاريع أخرى تساؤلات حول حجم الاحتياطيات التي تدعمها. لذلك اختارت الإمارات نهجاً مختلفاً، يقوم على التنظيم والرقابة والترخيص بدلاً من ترك القطاع يعمل في منطقة رمادية.

يعكس ذلك فهماً متقدماً لطبيعة التحوّل الجاري. لا يمثّل الدرهم الرقمي والعملات المستقرّة مشروعين منفصلين، بل عنصرين في منظومة واحدة. يُعَدّ الأول مالاً سيادياً يصدره المصرف المركزي، وتشكّل الثانية أدوات رقمية يصدرها القطاع الخاص من ضمن إطار تنظيمي صارم. وهذا التعايش قد يسمح مستقبلاً بتطوير خدمات مالية جديدة تجمع بين الاستقرار النقدي والمرونة التكنولوجية.

لكن السؤال الأكثر أهمية يبقى: لماذا تستثمر الإمارات هذا الجهد كلّه في هذا المجال؟ لا تتعلّق الإجابة بالتكنولوجيا وحدها. لم تعد المنافسة بين المراكز المالية العالمية تدور فقط حول حجم البورصات أو عدد المصارف أو تدفقات الاستثمار الأجنبي، بل أصبحت تشمل أيضاً القدرة على استقطاب شركات التكنولوجيا المالية ومنصات الأصول الرقمية ومديري الأصول العالميين. وفي هذا المجال، تجد الإمارات نفسها في سباق مع مراكز مالية متقدمة، مثل سنغافورة و هونغ كونغ ولندن، وتسعى إلى ترسيخ موقعها كبوابة تربط بين أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا.

 

بورصة هونغ كونغ (أ ف ب)

 

 

من هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم الاهتمام الإماراتي المتزايد بترميز الأصول. تقوم الفكرة على تحويل الأصول التقليدية، مثل العقارات والأسهم والسندات والصناديق الاستثمارية، إلى رموز رقمية قابلة للتداول والملكية الجزئية. وقد بدأت في الدولة بالفعل تجارب ومبادرات رسمية في هذا المجال، انطلاقاً من قناعة بأن التكنولوجيا قادرة على توسيع قاعدة المستثمرين ورفع مستويات السيولة وفتح أسواق جديدة أمام رؤوس الأموال.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصّة في بلد يشكّل القطاع العقاري أحد أعمدة اقتصاده. بدلاً من الحاجة إلى مبالغ كبيرة للاستثمار في عقار معين، قد يصبح من الممكن مستقبلاً شراء حصص صغيرة منه عبر منصات رقمية منظمة. لا يزال هذا التصور في بداياته، لكنه يكشف عن طبيعة الاقتصاد الذي تستعدّ له الإمارات أكثر ممّا يكشف عن الواقع الحالي للسوق.

من المرجّح أن تؤدّي المدفوعات الرقمية المتطورة دوراً أساسياً في دعم مثل هذه الأنشطة، إذا اتّسع نطاقها خلال السنوات المقبلة. ولهذا السبب، يصعب النظر إلى الدرهم الرقميّ باعتباره مجرّد وسيلة دفع جديدة؛ هو قد يصبح أيضاً جزءاً من البنية النقدية التي تسمح بازدهار أسواق مالية رقمية أكثر تعقيداً واتساعاً.

وتبرز أهمية هذه التحوّلات أيضاً في مجال المدفوعات العابرة للحدود. تُعَدّ الإمارات مركزاً رئيسياً للتجارة والخدمات والتحويلات المالية في المنطقة، وأي خفض في الزمن أو التكلفة المرتبطين بحركة الأموال الدولية يمكن أن ينعكس مباشرة على جاذبية بيئة الأعمال فيها. ولهذا شاركت الدولة في مشاريع دولية لاختبار استخدام العملات الرقمية الصادرة عن المصارف المركزية في التسويات العابرة للحدود، بهدف جعل التحويلات أكثر سرعة وكفاءة وشفافية.

لا يعني ذلك أن العملات الرقمية السيادية والعملات المستقرّة تسعى إلى منافسة الدولار أو تقويض مكانته العالمية. سيظل الدولار، في المستقبل المنظور، العملة المهيمنة على التجارة والتمويل الدوليين. لكن تطوير الإمارات أدوات دفع رقمية جديدة قد يوسّع استخدام الدرهم في بعض المعاملات الإقليمية والدولية ويمنحه حضوراً أكبر داخل الشبكات المالية الرقمية الناشئة.

في المقابل، لا يخلو هذا المسار من تحديات. كلما اتسعت رقمنة الأموال، ازدادت أهمية مسائل الأمن السيبراني وحماية البيانات والخصوصية. كذلك تراقب المصارف المركزية حول العالم احتمال انتقال جزء من الودائع من المصارف التجارية إلى المحافظ الرقمية إذا أصبحت العملات الرقمية السيادية أكثر انتشاراً مستقبلاً.

وهنا تحديداً تظهر حساسية العلاقة بين الدرهم الرقمي والقطاع المصرفي. تشكّل المصارف أحد أعمدة الاقتصادات الوطنية، ولا مصلحة لأيّ مصرف مركزي في إضعاف قدرتها على جذب الودائع وتمويل النشاط الاقتصادي. ولهذا، تتجه معظم مشاريع العملات الرقمية السيادية حول العالم إلى تصميم نماذج تضمن استمرار الدور المركزي للمصارف التجارية، بدلاً من الحلول محلّها.

الواقع أن نجاح الإمارات في بناء هذه الطبقة المالية الجديدة لن يتوقّف على التكنولوجيا وحدها، بل كذلك على إدارتها الحصيفة للتوازن الدقيق بين الابتكار والثقة. يحتاج المستثمر إلى الثقة في سلامة القواعد التنظيمية، وتحتاج المصارف إلى الثقة في أن دورها لن يتآكل، ويحتاج المستخدم العادي إلى الثقة في أن الأموال الرقمية ستمنحه مزيداً من الكفاءة والمرونة من دون أن تتسبّب بنشوء مخاطر جديدة أو تقلص خصوصية المستثمر نفسه.

وربما هنا تكمن أهمية ما يحدث اليوم. ليست القصة قصة درهم رقمي أو عملة مستقرّة بحدّ ذاتها، بل محاولة مبكرة للاستعداد لاقتصاد قد تصبح فيه الأصول والأموال والعقود أكثر ارتباطاً بالمنصّات الرقمية من ارتباطها بالأوراق والوثائق التقليدية. وحين يكتمل تحقّق هذه الرؤية، قد لا يكون الإنجاز الأهمّ إطلاق عملة رقميّة جديدة، بل المساهمة في بناء البنية التحتية المالية لعصر اقتصادي مختلف، تتحرك فيه الأموال بالسرعة نفسها التي تتحرك بها المعلومات.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية