الدرس الاقتصادي/سؤال الفلاحة
الأستاذ عبدالجليل أكرام الذي وافته المنية يوم الخميس 2 يوليوز 2026 كان يُدرِّس لنا مادة “تاريخ الفكر الاقتصادي” بسلك الأجازة ومادة “التخطيط الاقتصادي” في سلك الدراسات العليا في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي في كلية الحقوق بكل من الرباط والدار البيضاء.
كان رحمه الله وهو يلقي الدرس بهدوئه المعتاد تنتابه، بين الفينة والأخرى، نوبات ضيق في التنفس فيتوقف عن الإملاء. كنا ننظر اليه بقلق وخوف والألم بادٍ على وجهه، ويده على صدره. لا يشتكي، ولا يفصح عن وجعه، فقط يغالب الأزمة إلى أن تمر، ويتنفس الصعداء فيمضي في درسه وكأن شيئا لم يكن.
”تاريخ الفكر الاقتصادي” كان يدرسه مثل سردية، لا تخلو من تشويق، لنشوء علم الاقتصاد السياسي وتطوره عبر المدارس (المركنتيلية، الفيزيوقراطية، التقليدية، التقليدية الجديدة)، والمؤسسين. في مادة ” التخطيط” كان المرجع هو كتاب ل Guy Caire, La planification : techniques et problèmes, éditions Cujas, 1976) وفيه شرح لنظريات التخطيط، ومقارنة مفصلة بين التخطيط السوفياتي والفرنسي، وتحليل لمفهوم التطور والأمثلية الاقتصادية. كان يوزع فصول الكتاب على الطلبة لإعداد عروض حولها، تعقبها أسئلة وأجوبة، وتنتهي الحصة بتفسيرات و توضيحات وتكميلات من طرفه.
عبد الجليل أكرام هو صاحب أول أطروحة تناقش لنيل دكتوراه الدولة في الاقتصاد في كلية الحقوق بالرباط سنة 1970 تحت إشراف الراحل عبد العزيز بلال، وتحمل عنوان “الاستثمارات المنجزة والمبرمجة في إطار التنمية الفلاحية في المغرب : توجهاتها ومشاكلها”. الأطروحة تؤسّس لبرنامج بحثي أكاديمي حول التنمية الفلاحية ببلادنا، وتضع الإطار، النظري والمنهجي، الذي سوف تنسج على منواله مجموعة من الرسائل الجامعية مجترحة الطرح الإشكالي، والتحليل النقدي لسياسة الحماية الفرنسية، وللتوجهات التي ذهبت مذهبها بعد الاستقلال (عبد القادر برادة، 1979؛ محمد الرقعي، 1982؛ التهامي الخياري، 1984؛ نجيب أقصبي، 1986؛ عبد السلام الصديقي، 1986، وآخرون لا يتسع المجال لذكرهم). حول هذه الأطروحة كتب عبدالعزيز بلال في المجلة الاقتصادية والاجتماعية للمغرب (عدد 115، أكتوبر-ديسمبر 1969) مراجعة يقول فيها (بتصرف) : البحث يكشف عن مفارقة ظاهرة يعرفها الاقتصاد المغربي تتجلى في كونه، بالرغم من الإنفاق الضخم الموجه إلى التنمية الفلاحية، لا يعطي سوى نتائج هزيلة. هذا التشخيص يتحول، في الأطروحة، إلى إشكالية تتناول العوامل التي تحد من نجاعة الاستثمارات الفلاحية، والتي تعود إلى الإطار السوسيو- بنيوي، بالمعنى العريض، وإلى مسألة الخيارات المتعلقة بالفلاحة. تحت الحماية كانت الاستثمارات، العمومية على وجه الخصوص، تصب في القطاع “الحديث”، الكولونيالي، على حساب القطاع “التقليدي” الذي يشمل الأغلبية من الفلاحين. بعد الاستقلال سوف تتعاظم الاستثمارات مستهدفة بالأساس أشغال الري. إلا أن طبيعة البنيات الزراعية المختلة (ملكية الأراضي، وأنماط الاستغلال) كانت تشكل العائق الرئيسي في طريق التقدم. من هذا التحليل يخلص أكرام إلى أن دور الفلاحة في عملية “الإقلاع” الاقتصادي يتطلب، فيما يتطلب، إعادة هيكلة للعالم القروي، وتعبئة للموارد غير المنتجة، وتنسيقاً بين التقدم الفلاحي والصناعي.
نشر الراحل مقتطفاً من رسالته تحت عنوان “الهندسة المائية الزراعية” (المجلة الاقتصادية والاجتماعية للمغرب، نفس العدد) يرى فيه أن على السياسة الهيدروليكية في المجال الزراعي أن تندرج ضمن منظومة يكون فيها للفلاحة دور وازن في تسريع وتيرة التنمية الشاملة. هذا النص يستحق اليوم منا أن نرجع إليه، ونعيد قراءته بالنظر إلى العلاقة المتشابكة بين النموذج الإنتاجي الفلاحي السائد (المخطط الأخضر والجيل الأخضر) والأزمة المائية المزمنة التي تعيشها بلادنا، وإلى ما تستدعيه المرحلة من تحوُّل في المسار الفلاحي على قاعدة الأمن الغذائي بخاصة، والسيادة الفلاحية بعامة. وقديما قالت العرب “الرجوع إلى الأصل أصل”. moins