الدرس الإسباني.. جزيرة الالتزام وسط غرب ليبرالي متوحش

حينما ولج بيدرو سانشيز (54 سنة) قصر “المونكلوا” الرئاسي في مدريد في الثاني من يونيو لسنة 2018، باسم الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE)، لم يكن الأمر مجرد تناقل روتيني للسلط في عاصمة أوروبية، بل كان ذلك مثابة  إعلان عن ولادة تجربة سياسية استثنائية؛ كسرت سمك الظلام وأشعلت بعض الشموع وسط مشهد سياسي دولي قاتم ومخيف، إذ اختار الرجل أن تكون ولاياته الرئاسية انتصاراً صريحاً لمبادئ حزبه، وتصريفاً واضحاً لمواقفه من مختلف القضايا والتحديات الشائكة التي واجهته ولا تزال، على كثرتها وصعوبتها. هذا العبور نحو قمة السلطة لم يكن مفروشاً بالورود إطلاقاً، بل كان أشبه ما يكون بالنحت على الصخر.

لم يكن صعود سانشيز حدثاً فجائياً، بل جاء نتاج ديناميكية معقدة بدأت منذ انتخابه كاتباً عاماً للمرة الأولى (يونيو 2017) في وقت كان فيه الحزب الاشتراكي يعيش أزمة تنظيمية داخلية حادة، وتيهاً أيديولوجياً بعد فقدانه للحكومة لصالح غريمه اليميني (PP). تزامن ذلك مع تحول جذري في المشهد السياسي والانتخابي الإسباني أفرزته تشريعيات 2015؛ حيث انكسرت الثنائية الحزبية التقليدية وظهرت قوى جديدة: “بوديموس” في أقصى اليسار، و“سيودادانوس” في اليمين، ولاحقاً “فوكس” اليميني المتطرف. هذا التشرذم جعل تشكيل الحكومات معضلة حقيقية بالنظر إلى منطق التحالفات الهجينة والهشة التي باتت تفرض نفسها.

وفي الوقت الذي كانت فيه إسبانيا تحاول الانعتاق من براثن الأزمة الاقتصادية والمالية لعام 2008 وما خلفته من قرارات تقشفية قاسية، انفجرت في وجه الدولة أزمة سياسية وسيادية من أخطر ما شهدته الديمقراطية الإسبانية: الإعلان الانفصالي أحادي الجانب في إقليم كاتالونيا (27 أكتوبر 2017) وما رافقه من اضطرابات وقلاقل هددت كيان الدولة.

في قلب هذا الإعصار، لم يكن سانشيز يواجه الخصوم في اليمين فحسب، بل كان عرضة لـ “عنت داخلي” شرس من قِبل صقور حزبه، وعلى رأسهم رئيس الحكومة الأسبق فيليبي غونزاليس، الذين رأوا في طموحاته وتوجهاته مغامرة غير مأمونة العواقب. غير أن الرجل رفع سقف التحدي، وخاض مغامرة سياسية غير مسبوقة بتقديم “ملتمس الرقابة” في 2018 ضد حكومة ماريانو راخوي المثقلة بقضايا الفساد، مجازفاً بمستقبله السياسي برمتِه، لينجح في إطاحتها ويقود البلاد في منعطف جديد.

لم تكد تلتقط حكومته الأنفاس حتى داهمت العالم، وإسبانيا بشكل خاص، أكبر أزمة صحية في العصر الحديث: جائحة كوفيد-19، حيث كانت مدريد من أكبر المتضررين إنسانياً واقتصادياً. تلا ذلك موجات من التضييق السياسي عبر إثارة قضايا فساد وشبهات حامت حول محيطه، لاسيما المتابعات القضائية التي تلاحق زوجته “بيغونيا غوميز“، وأحد كبار مسانديه داخل الحزب الاشتراكي العمالي “خوسي لويس ثباتيرو“. ورغم كل الضغوط الرهيبة التي دفعت سانشيز في لحظة فارقة إلى التفكير في الاستقالة وعزل نفسه لأيام للتأمل، إلا أنه عاد أكثر إصراراً على المواجهة، في وقت كان الجميع يتنبأ باستسلامه واستقالته من رئاسة الحكومة.

المحور الحقيقي الذي جعل من تجربة سانشيز “درساً إسبانياً” حقيقيا هو قدرته على صياغة مواقف وسياسات تسبح عكس تيار النيوليبرالية المتوحشة والبراغماتية الغربية القاتلة.

دوليّاً، وفي وقت سقطت فيه الأقنعة عن قوى غربية كبرى اختارت الانحياز الصامت أو الدعم المباشر، وقف بيدرو سانشيز بشجاعة نادرة ضد السياسات الإسرائيلية والولايات المتحدة الأمريكية في الحروب التي شنت على غزة ولبنان، والتوترات مع إيران. وتوجت إسبانيا هذا المسار بقرارات تاريخية، على رأسها الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية في مايو 2024، ووقف تصدير الأسلحة لإسرائيل، والانضمام إلى الدعوى المرفوعة ضدها أمام محكمة العدل الدولية.

ولم تقتصر شجاعته الخارجية على الشرق الأوسط، بل تجلت في جرأته على إعادة صياغة العلاقات مع جيران إسبانيا وفق نهج السلم والواقعية السياسية. ففي خطوة تاريخية غير مسبوقة، اختار سانشيز الدفع في اتجاه سياسة جوار تقوم على التعاون الاستراتيجي المتين مع المملكة المغربية، متخذاً القرار الأجرأ بالتخلي عن المواقف الإسبانية الرسمية التقليدية التي كانت تُصنف كمعادية للوحدة الترابية للمغرب. ومن خلال إعلانه في مارس 2022 اعتبرت مدريد المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع المفتعل حول الصحراء، كما أثبت سانشيز أنه رجل دولة يفضل بناء جسور السلام والتنمية المشتركة المستدامة على الارتهان لعقود من الجمود والتوتر الدبلوماسي. وهكذا دخلت العلاقات الثنائية بين البلدين الموسومة بالاضطرابات مرحلة انفراج وتعاون وطيد طال عدة مجالات من بينها التنظيم المشترك لمونديال كرة القدم سنة 2030.

داخلياً، تجلت أنسنة السياسة في تعاطي حكومة بيدرو سانشيز مع قضايا الهجرة والمهاجرين، ورفضه الحاسم لمنطق اليمين المتطرف القائم على الشيطنة والإقصاء. وقد ظهر هذا الالتزام الأخلاقي في إطلاقه لمبادرة جديدة تهدف إلى تسوية الوضعية القانونية لحوالي 500 ألف مهاجر إلى حدود يونيو 2026،؛ ليعد ذلك تزكية لطرحه السياسي الذي يعتبر الهجرة والمهاجرين فرصة وليس تهديدا.  إضافة إلى ذلك تسجل للتاريخ مواقفه الصارمة لنبذ العنصرية، لاسيما دفاعه عن النجم الشاب “لامين جمال” في وجه الهجمات العنصرية التي تعرض لها إبان رفعه للعلم الفلسطيني خلال احتفالات ناديه ف.س. برشلونة بلقب “الليغا” في شوارع برشلونة، أو إدانة الهتافات العنصرية التي شهدها ملعب “كورنييا إل برات“  ببرشلونة خلال المواجهة الودية التي جمعت المنتخب الإسباني بنظيره المصري.

وامتدادا لهذا الالتزام الأخلاقي تقدمت حكومة بيدرو سانشيز بمشروع قانون لحماية القاصرين داخل الأوساط الرقمية، والذي يهدف إلى الحفاظ على حقوق الأطفال في المجال الرقمي وضمانها، وحماية بياناتهم الشخصية، وضمان وصولهم إلى المحتويات الانسب لأعمارهم، مع رفع السن القانوني لولوج مواقع التواصل الاجتماعي إلى 16 سنة، مع ما يشكله ذلك من تصد صريح لسياسات الشركات العالمية العملاقة في مجال التكنولوجيا الرقمية، والتي باتت تستهدف عقول الصغار، مؤكداً أن “الدولة الراعية” في المفهوم الإسباني الحديث لا تحمي جيب المواطن وفقط، بل تحمي أيضاً الصحة النفسية وخصوصية أطفاله من توحش الأسواق الرقمية المفتوحة.

أما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فقد قدمت مدريد نموذجاً يُدرس في حماية الدولة الرعاية؛ حيث ركزت سياستها على دعم منظومة صحية مجانية وذات جودة، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وتتحدث الأرقام هنا بلغة منصفة:

– تم رفع الحد الأدنى للأجور (SMI) بنسبة ناهزت 60% منذ توليه السلطة، ليصل إلى قرابة 1221 يورو شهرياً.

– ربط المعاشات بمؤشر أسعار المستهلك (CPI) لضمان عدم تأثر المتقاعدين بالتضخم.

– تراجع معدلات البطالة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2008 (حوالي 10.3%) بفضل إصلاحات سوق الشغل التي قلصت العقود المؤقتة، بالموازاة مع تشريع أول قانون وطني للسكن للحد من تغول الصناديق الاستثمارية في سوق الإيجارات.

ومع ذلك، فإن خصوم بيدرو سانشيز لا يترددون في توجيه انتقادات جوهرية لهذا النموذج الاجتماعي؛ إذ يعتبرون أن جزءاً من المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة تم تمويله عبر توسيع الإنفاق العمومي والاعتماد المتزايد على الاستدانة. ويشير هؤلاء إلى أن الدين العمومي الإسباني لا يزال عند مستويات مرتفعة تتجاوز عتبة 100% من الناتج الداخلي الخام، وأن العجز الميزانياتي، رغم تراجعه مقارنة بفترة الجائحة، ما زال يشكل تحدياً حقيقياً لاستدامة بعض السياسات الاجتماعية على المدى البعيد. غير أن المدافعين عن تجربة سانشيز يردون بأن المؤشرات الاقتصادية العامة، من نمو اقتصادي وتشغيل واستقرار اجتماعي، تُظهر أن الاستثمار في الحماية الاجتماعية لم يكن عبئاً خالصاً على الاقتصاد، بل ساهم في تعزيز الطلب الداخلي وتقوية تماسك المجتمع خلال مرحلة دولية اتسمت بأزمات متلاحقة.

هذه السياسات التي ترجمتها إلى الواقع حزمة من المواقف والقرارات جعلت إسبانيا تبدو اليوم وكأنها “جزيرة للالتزام السياسي والأخلاقي” وسط محيط أوروبي وغربي تلتهمه النيوليبرالية المتوحشة، وتجتاحه أمواج صعود اليمين الشعبوي القومي.

إن بيدرو سانشيز، بهذا المعنى وهذه الجرأة يمكن اعتباره بحق “ظاهرة سياسية” لافتة في عالم معاصر تنكر للقيم الإنسانية الكونية، وقرر الارتكان للغة المصالح الضيقة لشركات السلاح والمال. إنه يثبت من قلب مدريد أن الديمقراطية الاجتماعية ليست إرثاً من الماضي، بل هي خيار ممكن للمستقبل، شريطة أن تتوفر الإرادة السياسية والشجاعة الأخلاقية لقول “لا” في وجه التغول الرأسمالي.

اقرأ المقال كاملاً على لكم