الخمسينيات… العصر الذهبي لعمارة بغداد

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

قبل أن تتحول بغداد إلى مدينة الأبراج الزجاجية، كانت العاصمة العراقية تعيش واحدة من أكثر تجاربها المعمارية ازدهاراً. ففي خمسينيات القرن الماضي، اجتمع معماريون عراقيون ورواد عالميون وفنانون تشكيليون لصياغة مدينة أصبحت نموذجاً للحداثة في الشرق الأوسط، قبل أن تحبط التحولات السياسية ذلك المشروع الطموح. وبين عمارة الدولة الناشئة، وولادة مدرسة بغداد المعمارية، ثم تراجعها، تتكشف قصة مدينة كانت تبحث عن هوية، فوجدتها في الحجر والخرسانة والفن.

من عمارة الدولة إلى تأسيس هوية المدينة

لأن العمارة ليست مجرد بناء، بل وسيلة لتنظيم حياة المدن والتعبير عن هويتها، احتاجت بغداد، مع قيام الدولة العراقية الحديثة عام 1921، إلى مشروع عمراني يواكب ولادة مؤسساتها الجديدة. فقد خرج العراق من مرحلة الانتداب البريطاني، ودخل مرحلة بناء الدولة، وصولاً إلى انضمامه إلى عصبة الأمم.

في تلك الفترة انضم عدد من أبرز المعماريين البريطانيين إلى دائرة الأشغال الحكومية، فيما يصف مؤرخو العمارة هذه المرحلة بـ"عمارة المستعمر" (Colonial Architecture). وأسهم هؤلاء في تصميم مجموعة من المباني الخدمية المهمة، منها مطار بغداد (1931)، ومطار البصرة (1931)، وسراي بغداد القديم (1928)، ومطار المثنى، ومدرسة دار البيت، والمقبرة الملكية، ومحطة الموصل، فضلاً عن عدد من المشاريع السكنية. 


مطار بغداد الدولي.



ويُعد ذلك، إلى حد كبير، نقطة إيجابية في تاريخ العمارة العراقية، إذ جاء هؤلاء المعماريون بخبرة اكتسبوها في الهند، ما جعلهم أكثر قدرة على التعامل مع البيئة العراقية ومناخها، وتوظيف المواد المحلية بما ينسجم مع خصوصية المكان.

الجيل الذي صنع بغداد الحديثة

يقول المعماري العراقي الرائد معاذ الآلوسي، في مقابلة خاصة مع "النهار"، إن بغداد لم تبدأ باكتساب شخصيتها المعمارية الحقيقية إلا في خمسينيات القرن الماضي، ولا سيما بعدما امتلكت مديرية الأوقاف إمكانات مالية كبيرة ومساحات واسعة من الأراضي. وكان من أوائل المعماريين الذين انضموا إليها رفعة الجادرجي وقحطان المدفعي، بعد عودتهما من أوروبا وبريطانيا، حيث أسهما في إطلاق ثورة معمارية حقيقية غيّرت وجه العاصمة ورسّخت سمعة العمارة العراقية الحديثة.

لكن نهضة بغداد في تلك المرحلة لم تكن ثمرة جهود المعماريين وحدهم، بل جاءت نتيجة تعاون وثيق بين المعماريين والفنانين التشكيليين والنحاتين. ويُعد "نصب الحرية" المثال الأبرز على هذا التكامل، إذ أنجزه النحات جواد سليم بالتعاون مع المعماري رفعة الجادرجي، بتكليف من الزعيم عبد الكريم قاسم، ليصبح أحد أهم رموز الهوية البصرية لبغداد. 


نصب التحرير.



ويذكر المعماري محمد الصوفي، في كتابه "بيت… شارع… مدينة"، أن النهضة العمرانية تسارعت بفعل مجموعة من العوامل، أبرزها تأسيس مجلس الإعمار العراقي عام 1951، وارتفاع عائدات النفط، ما أتاح تخصيص موازنات كبيرة للمشاريع العمرانية، واستقطاب كبار معماريي العالم للمشاركة في تخطيط بغداد وتصميم عدد من أبرز مبانيها.

من جهته، يشير الأكاديمي والمعماري خالد السلطاني إلى أن عمارة الخمسينيات تميزت باستخدام مواد تشطيب جديدة لم تكن معروفة سابقاً، مثل المرمر والحجر الطبيعي وأنواع مختلفة من المعادن، الأمر الذي منح المباني طابعاً جمالياً وتعبيرياً مختلفاً. كما شهدت تلك المرحلة دخول تقنيات حديثة إلى العراق للمرة الأولى، من بينها أنظمة التبريد والتدفئة المركزية، إلى جانب المصاعد الكهربائية التي بدأت تدخل المباني الحكومية والمصارف والفنادق.

مدرسة بغداد للعمارة تجاوزت حدود العراق

وبالعودة إلى الآلوسي، يلفت في حديثه لـ"النهار" إلى أن مدرسة بغداد للعمارة، التي ازدهرت منذ الخمسينيات وحتى نهاية السبعينيات، بدأت بالتراجع نتيجة التحولات السياسية، إلى جانب تضييق الدولة على المعماريين وفرض قيود على مكاتبهم الخاصة، فضلاً عن التدخل المباشر في الإبداع المعماري ومحاولة إخضاعه للاعتبارات الأيديولوجية.

ويقول: "زُجّ كثير من زملائنا في السجون بسبب رفضهم تسييس العمارة والفن، وربما كنت الوحيد من أبناء جيلي الذي لم يدخل السجن".

ورغم أن هذه المدرسة اندثرت عملياً مع نهاية الثمانينيات، فإن أثرها ظل حاضراً، إذ تأثر بها معماريون في بلدان عربية عدة، ولا تزال أعمالها وتجربتها تُدرّس في جامعات حول العالم بوصفها واحدة من أهم التجارب المعمارية في الشرق الأوسط خلال القرن العشرين.

بين هوية الأمس وفوضى اليوم

ويقول الآلوسي بأسى إن بغداد اليوم تحولت إلى مدينة من الأبنية "الورقية" التي تحتفي بالمظهر أكثر مما تعبر عن الهوية، وأسهمت في تفكيك النسيج العمراني التاريخي للعاصمة.

 

View this post on Instagram

A post shared by Annahar Al Arabi (@annaharar)

 

وينتقد انتشار البناء العمودي، الذي يراه دخيلاً على الثقافة المعمارية البغدادية، ولا ينسجم مع البيئة المحلية أو مع أسلوب العيش في المدينة. ويقول: "كل ما نراه اليوم واجهات زجاجية، وأتساءل دائماً: من سينظف كل هذا الزجاج في مناخ بغداد القاسي؟ وحتى المبنى الأبيض الذي صممته زها حديد في الجادرية يطرح هذا السؤال".

ويرى أن ما تعرضت له بغداد يمثل "جريمة بحق تاريخها"، لأن المدينة ليست مجرد أبنية، بل ذاكرة حضارية ارتبطت بنهر دجلة، الذي لم يسلم هو الآخر، بحسب رأيه، من التشويه، بعدما تحولت ضفافه إلى مقاهٍ وزوارق لا تمت بصلة إلى أصالة المكان.

إرث لا يتكرر

لم تكن الخمسينيات مجرد عقد زمني في تاريخ بغداد، بل كانت مشروعاً حضارياً متكاملاً، آمن بأن العمارة قادرة على صناعة هوية مدينة بأكملها. وبينما تتبدل ملامح العاصمة اليوم، تبقى مباني تلك الحقبة شاهدة على زمن استطاع أن يجعل من بغداد إحدى أبرز العواصم المعمارية في المنطقة، وهو إرث لا يزال يقاوم النسيان.

لقد رحل جيل الخمسينيات، لكن المدينة لا تزال تحتفظ ببصماته على جدرانها وساحاتها وشوارعها، شاهدةً على مرحلة آمنت بأن العمارة ليست حجارة تُرصّ فوق بعضها، بل ثقافة وهوية وذاكرة جماعية. وربما لهذا السبب، لا تزال بغداد، كلما بحثت عن صورتها الحقيقية، تعود إلى تلك السنوات الذهبية.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية