الخليج في اختبار الحرب
وجاءت النتيجة معاكسة لما سعت إليه طهران. فمن الطبيعي أن تختلف الدول في تقدير الملفات أو في ترتيب أولوياتها، غير أن حماية الأمن الوطني، والممرات البحرية، واستقرار الاقتصاد الإقليمي، تضع المصالح المشتركة في صدارة القرار، وتؤكد أن أمن الخليج وحدة استراتيجية لا تقبل التجزئة.
وانعكس ذلك على المشهد الإعلامي. وتراجعت سردية روجت لتضخيم أي تباين بين دول الخليج، وتقديمه باعتباره بداية لانقسام دائم. وخلال الأشهر الماضية، امتلأت المنصات بتسريبات وتحليلات مجهولة المصدر حاولت رسم صورة لتحالفات تتفكك وعلاقات تتجه نحو القطيعة. غير أن الوقائع نسفت تلك السرديات، وأكدت أن العلاقات الاستراتيجية تقاس بقدرتها على الصمود عندما تتعرض المنطقة لاختبار حقيقي.
كما أعادت التطورات الأخيرة تعريف مفهوم الشراكة داخل مجلس التعاون. فلم يعد التنسيق السياسي عند وقوع الأزمات كافياً، وأصبحت الحاجة أكبر إلى بناء قدرة جماعية أكثر تماسكاً في الدفاع، وتبادل المعلومات، وإدارة المخاطر، وتحصين الاقتصادات الوطنية أمام الصدمات. فطبيعة التهديدات القائمة تتجاوز قدرة أي دولة على التعامل معها منفردة، وهو ما يستدعي تطوير آليات العمل الخليجي المشترك بما يواكب المتغيرات الأمنية في المنطقة.
ويتغير أيضاً مفهوم الضمانات في المنطقة. فالشراكات الدولية ستظل جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار، مع تنويعها وتعزيزها وفق المصالح والقدرة الفعلية على المساندة. وتجارب الأشهر الماضية عززت قناعة بأن حماية الخليج تبدأ من قدرة دوله على صوغ أولوياتها، وتنسيق مواقفها في القضايا الأساسية، وتقليل تأثر مصالحها بتبدل حسابات القوى الدولية.
تعزيز المرونة الاستراتيجية
ستظل الجغرافيا ثابتة، بينما تتطور أدوات التعامل معها. لذلك اتجهت الأولوية إلى تعزيز المرونة الاستراتيجية عبر تقوية الاقتصاد، وتوفير بدائل للممرات الحيوية، وتقليل الاعتماد على مسارات قد تتحول إلى أدوات ضغط في أوقات الأزمات. وهي مراجعة ستبقى جزءاً من التخطيط الاستراتيجي للمستقبل.
ويمتد أثر هذه المراجعات إلى الإعلام أيضاً. فإدارة الأزمات لم تعد تقتصر على القرار السياسي أو الإجراءات العسكرية، وأصبح الخطاب الإعلامي جزءاً من حماية المصالح الخليجية. ويحتاج ذلك إلى خطاب أكثر اتساقاً، يواجه حملات التضليل، ويمنع استغلال التباينات الطبيعية لخدمة أجندات تستهدف استقرار المنطقة. فالرواية الدقيقة أصبحت جزءاً من منظومة الأمن، لأنها تحد من قدرة الخصوم على توظيف المعلومات في التأثير على الرأي العام وصناعة الانقسامات.
إدارة التباينات بين دول الخليج تظل ممكنة، بينما حماية الأمن الجماعي مسؤولية مشتركة لا تحتمل التأجيل. وترسيخ هذه القاعدة يعزز عملاً خليجياً أكثر تماسكاً في القضايا الاستراتيجية، بحيث تبقى المصالح المشتركة نقطة الانطلاق، فيما تظل الاختلافات في تقدير بعض الملفات ضمن حدودها الطبيعية.
*كاتب إماراتي