الخطيئة السّابعة

الخطيئة السّابعة للحركة الإسلامية في المغرب

في نَفْس شهر أكتوبر من عام 2023، ومن غزَّة بفلسطين إلى طَنْجة بالمغْرِب، تحَرَّك “حيُّ بنْكيِران” لِشَكْوَى شرِكَة “الشَّرَف إيمُوبِيلْيِي” ضدَّ سُكّانَها، بعدما ادَّعَتِ احْتِلالَهم لبُقْعة أرْضيَّة بدُون سَنَد قانُوني، تعود حسب سُكّان الحَيّ نفسِهم إلى “يهُودِي مغْرِبي غادَر إلَى إسْرائيل مُنْذ مدّة”.

ثمّ عاد بَنْكِيران مرَّةً أخْرى، لَكِن هذه المرَّة بِصِفة الأُسْتاذ عبْد الإله؛ رئِيس الحكومَة المغْربِيّة الأسْبَق، وذلك بعد انْتِخابِه كَأمِين عَام لِحزْب “العدالة والتّنمية” المغربي. عاد ليُجيِّش بخطاباته المعْهودة الكَثِيرَ مِن مُناضِلي وأنْصار الحزب، مُنتقدا بذلك التّسيير الحكومي والنّقابات على حَدٍّ سَواء، دون إغْفال أصحاب أُطْروحَة مَا سُمِّيَ بـ”تازَة قبْل غزَّة”، الذين يفضّلون الإهتمام بالقَضايا الوطنيَّة المحَلِّية على القَضايا الوطنيَّة الإقْليميَّة والدَّوْلية، تنزيلا بذلك لمقْتضيات ومَخارج فِقْه الأوْلوِيات.

في فاتح ماي 2025، وهو يخاطب جمهوره بمدينة الدار البيضاء، وَصَفَ الأستاذ بنكيران بعْض خُصُومِهِ مِنْ أنْصارِ “تازَة قبْل غزَّة” بأَلْقابٍ أقلُّ ما يُقال عنْها “بديئة وقاسِية”، في الوقت الذي لمّح فيه “لمقاطعة البضائع الأمريكية”، دون أن ينْسى ذِكر “الشّامية” والدته في معْرض كلامه وهو يفتخر بنسبه.

ومهْما يكُن مِنْ حَالٍ؛ فإنه يبْدو ذلك الإرتباط بين قدَر الإسْلام السّياسي (شِيعةً وسنَّة) و”صَخْرَة” فلسطين(1)، التي تهشّمت عليها شعْبيّة “حزْب الله” اللُّبْناني، إثر ٱختياره دعْم نِظام الأَسد في سورْيا. ولذلك ستَترهّل أيضا شعْبيّة الإسْلام السّياسِي السُّنّي وستتراجع، مَا سَيَضَعُهُمْ أمام خِياريْن لا ثالِث لهمَا: مُواصلة رُكوب “مَوْجَة” فِلسطين أو الإنْصِياع للتّرتيب الأولوي. هذا التّجاذب بدا واضحا كذلك لما انْدَلَعَتْ “قرْبالة” في باب دكّالة بمدينة مرَّاكُش، حين أقْدم مُصَلُّون يهود على صلاتهم في عين المكان، لكي ينْقسم بذلك الرّأي العام المغربي بين رافض لما ٱعتبره “سلوك مُستفزّ” وآخر متسامح من وجْهة “التّعايش وحرّية الإعتقاد”.

في فاتح ماي 2026 بآسفي، حضر اسْمُ “مفْتاحة” السيدة والدة بنكيران، وهو يتحدث عن نسبه مع شيء من التّفصيل هذه المرّة، حيث ذكر انْتِماءَهُ للصّحابي سعْد بن عبادة زعيم قبيلة الخزْرج، قائلا إنّ “جدّه هذا الأنْصاري كان مرشّحا لخلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لكن لمّا بويِع لأبي بكر “طأْطأ الرأس وغادر إلى الشّام”.

لكن ما لم يتطرّق له بنكيران ولا الشيخ الفيزازي عند الرد عليه: هل عمّر سعد بن عبادة في الشام لكي تكون له ذريّة شامية؟ خصوصا وأنّ الرّوايات تقول إنه “قتله الجنّ” بعدما تصادم الصحابة كلاميا في سقيفة بني ساعدة، وقال عمر بن الخطاب: “قتل الله سعدا”.

من جهته، ردّ الشيخ محمد الفزازي على ما ورد في تصريحات بنكيران، متعجّبا من تباهيه بانْتسابه للصّحابي الأنْصاري سعد بن عُبادة، ومُسْتَشْهِدًا بالحديث الذي مُفَادُهُ أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه لا يُغْني عن أهله وعشيرته شيئا(2)، ما يدفعنا للتّساؤل: كيف تكون ابْنَةُ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة الزهراء “سيّدة نساء الجنة” كما ورد في الحديث الصحيح، ورغم ذلك يقول لها أبوها (صلى الله عليه وآله وسلم): “لا أغني عنك من الله شيئا”؟

والحقيقة أنّ الشيخ الفيزازي كان لَبِقا في ردّه (على الأقل) في شأن السيدة “مفْتاحة” التي أُقْحم اسْمُها في هذا الفاتح من ماي، وأكّد عدم جواز الخوْض في الأعْراض، بل اعتبر إثارة الحديث حول السيدة والدة بنكيران غير ذي أهمّية ولا داعيَ له.

وما دام الشيء بالشيءِ يُذكر، فإنّ ذِكر الصّحابي الأنصاري سعد بن عبادة قد أحضرَ اسْم الرّاحل الأستاذ فريد الأنصاري، الذي جمع ملاحظاته التّقييمية والنّقدية للعمل الإسلامي في كتابه “الأخطاء الستّة للحركة الإسلامية في المغرب”، في محاولة منه لتوضيح سبب اخْتلافه مع الحركة الإسلامية في المغرب، وبالتالي حصر أخطاء الحركة الإسلامية في ستّة: خطأ واحد منها للتيّار السّلفي، والخَمْسَةُ الباقية للحركة الإسلامية.

في نقْده الفكري والسلوكي هذا، يرى الأنصاري أنّ الحركة الإسلامية قد “وقعت في غلط في فهْم الدّين وخرم للأخلاق الإسلامية، مثل الخِداع والكذب وكذلك الوقوع في الهوى والمزاجيّة واللاّعِلْمِيّة”. وفي هذا الصّدد، لم يفتْه نقْد القرارات التي اتَّخَذَتْها الحركة الإسلامية في المغرب عندما دَخَلَتْ غِمار السّياسة وشكّلت حزبا سياسيا.

لا أدري ما الذي أصاب المغاربة هذه الأيام، فبعْد أن وضع عبد الإلاه بنكيران صديقه إدريس اليزمي موْضع الأولياء الذين تُصلّى من أجلهم صلاة الشّكر، وأوْصى به ساكنة فاس لأنه “وليٌّ من أولياء الله” كما قال، وبعد أن نسب السيد مصطفى الرميد نفسه إلى “قريْش” من خلال تأويل كاريكاتوري لتسمية “لكريشات”، ها هو بنكيران مرة أخرى ينسب نفسه إلى الصحابي الخَزْرَجِي سعْد بن عبادة زعيم الأنصار. نَفْهَمُ من هذا كما يقول أحمد عصيد: “أنّ القاسم المشْترك بين الإسلاميّين والقوميين العرب هو النّزعة العرقية والإعتقاد في الأصول المشْرقيّة الخالصة”. كما نَفْهَمُ من هذا أيضا سبب ضعف الشّعور الوطني لديهم، وبالتالي انتِصارهم للقضايا الأجنبية عن بلدهم. لكن الأمر نفسه لجأت إليه السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، حين صرّحت خلال فعاليات الجامعة الصيفية بمدينة بوزنيقة في عام 2024: “أنا بنْت الصّالحين”.

إنّني أتساءل: هل من حقّهم التّباهي بالشّرف والنّسب، أم أنّهم يُنازعون في ذلك ملك البلاد ورئيس الدولة؟ ما الدّاعي لذلك إذا ما كانت الكفاءة السياسية والوطنية تُقاس بالمُنْجزات؟

قد يكون فريد الأنصاري مُصيبا، عندما سَبَر سلوك بعض أنْصارها، وخرج باستخلاص ستّة أخطاء تشترك فيها هذه الحركة مع التيار السلفي. كما قد تكون الخطيئة السّابعة لهذه الحركة المحسوبة على الإسلام السياسي هي الأذْهَى والأَنْكَى، حيث تولّدت من “الخِداع” (كما أشار إليه الأنصاري) والمتمثّلة في خطابها الشّعْبوي الأجْوف والمنْحَطّ.

الهوامش:

(1) ينبغي أن نعترف أنه لَمْ يَسبق أن حَصَلَ يَوْماً إجماع بين المُسْلِمين حول صَخْرَةِ القُدْس التي حَدَّدَتْ مَوْضِعَها كَعْبُ الأَحْبار. فالشِيعَة (كأقلّية مُعارَضَة) ينصرون الفلسطينيين انْطِلاقا من اعتقادهم بأنهم “مظلومون”، بخلاف أهل السنَّة والجماعة (كأكثرية حاكمة) يعتبرونها “مَسْرَى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عَنان السماء”.

(2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قامَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) قال: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ – أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا – اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا). رواه البخاري (2753) ومسلم (206). يقول الحافظ ابن حجر في قوله “لا أغني شيئا” فيه إضْمار: إلاّ إذا أذن الله لي بالشّفاعة (“فتح الباري”، 8/502).

The post الخطيئة السّابعة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress