الحمض النووي في الهواء.. تقنية جديدة تكشف أسرار التنوع البيولوجي

إذا ما وقفت في شرفة منزلك وحككت فروة رأسك، فسوف تطير قطع من الحمض النووي (دي.إن.إيه) الخاص بك في الهواء، وتختلط بأحماض نووية من مصادر أخرى ناتجة عن زفير حيوان أو قشور جلد إنسان أو ريشة طائر أو حبوب لقاح نبتة ما، فضلا عن أحماض كائنات متناهية الصغر مثل الفيروسات والجراثيم. وسوف تظل قطعة الحمض النووي الخاصة بك تحلق في الهواء لعدة أيام قبل أن تعلق في أغلب الأحوال بذرات الغبار وتقطع مسافة تتراوح ما بين بضعة أمتار أو عدة كيلومترات. واعتاد علماء الأحياء منذ وقت طويل على استخراج عينات الحمض النووي من الماء والتربة، ولكنهم بدؤوا مؤخرا يلتفتون إلى الهواء كمصدر للمعلومات الوراثية للكائنات المختلفة، وعلى مدار العقد الماضي، شرع باحثون في دراسة كيفية قياس كميات الحمض النووي العالقة في الهواء، والبحث عن سبل الاستفادة منها من أجل وضع تصور كامل للنظام البيئي ومدى سلامته.

وفي عام 2013، قام الباحثان مات كلارك من متحف التاريخ الطبيعي في لندن وريتشارد ليجيت من معهد إيرلهام للأبحاث في نورويتش في بريطانيا بتجربة لسحب عينات من الهواء من داخل صوبة زراعية وخارجها بحثا عن عينات للحمض النووي. ويقول كلارك: “لقد كنا نتساءل بشأن ما إذا كنا سوف نعثر على أي شيء، ولكننا في الحقيقة عثرنا على عشرات بل مئات الأشياء”. ولكن الحدث الذي أثار ضجة في الأوساط العلمية حيال فرص الاستفادة من الحمض النووي المنقول جوا كان العثور على حمض نووي لأحد النمور بالقرب من مدينة كامبريدج البريطانية، حيث قامت الباحثتان جوان ليتلفير من كلية لندن الجامعية وإليزابيث كلارك من جامعة يورك في كندا بالبحث عن مصدر هذا الحمض النووي الحيواني وافترضتا أنه يعود إلى حديقة حيوان قريبة تقع في بلدة كامبريدج شاير، لأنها المكان الوحيد الذي توجد فيه مثل هذه الحيوانات النادرة. وعند تحليل عينات الهواء قرب الحديقة، عثرت الباحثتان على آثار من الأحماض النووية للنمور على مسافة تبعد حوالي 200 متر من أقفاصها، وعثرتا أيضا على أحماض نووية تخص العديد من حيوانات الحديقة بل وأنواع الغذاء الذي تقتات عليه مثل لحوم الدجاج والخيول والخنازير. ويقول الباحث سيمون كرير المتخصص في علوم البيئة الجزيئية في تصريحات للموقع الإلكتروني لمجلة “نيتشر” المتخصصة في الأبحاث العلمية إن “الحمض النووي الحيواني كان هناك منذ البداية، ولكننا فحسب لم نبحث عنه من قبل”.

وقد قام الباحث جيمس أليرتون من المختبر الوطني للفيزياء في لندن بتطوير فكرة الباحثة إليزابيث كلارك، حيث طرح فكرة الاستفادة من منظومة قياس المعادن الثقيلة في لندن التي تعتمد على 25 مضخة لسحب الهواء منتشرة في المدن والقرى والمناطق الصناعية في مختلف أنحاء البلاد. وعن طريق تحليل عينات الهواء من 15 موقعا، نجح الباحثون العام الماضي في نشر أول دراسة وطنية في العالم للتنوع البيولوجي اعتمادا على الحمض النووي المنقول جوا، حيث وجدوا في تلك العينات آثارا من أحماض نووية تخص حيوانات شائعة في بريطانيا وأخرى أليفة نادرة مثل الببغاوات وعينات من أسماك وأنواع حية مختلفة. ويقول الباحثون إن الحكومات والشركات والعلماء والمعنيون بحماية البيئة يمكنهم الاستفادة من الحمض النووي المنقول جوا في الحصول على صورة شاملة للتنوع البيولوجي في منطقة بعينها. ويقول الباحث ديفيد دافي المتخصص في علم جينوم الأمراض بجامعة فلوريدا في تصريحات لموقع “نيتشر دوت كوم” إن دراسة الحمض النووي في الهواء تتيح وضع تسلسل زمني لكفاءة الأنظمة البيئية المختلفة عن طريق رصد أحمال العوامل المسببة للأمراض وكذلك التنوع الوراثي للفصائل المختلفة، وهو من المؤشرات المعمول بها لقياس صحة هذه الأنظمة.

وقد نجح الباحثان كلارك وليجيت بالفعل في تطوير تقنية جديدة تحمل اسم “إير سيك” يمكن من خلالها رصد الحمض النووي في الهواء للأمراض التي تصيب المحاصيل الزراعية، مما يتيح اتخاذ إجراءات استباقية باستخدام مبيدات الآفات لعلاج تلك المشكلات قبل تفاقمها. ويقول الباحثان إن هذه التقنية الجديدة يمكنها أيضا التعرف على الحمض النووي للأمراض التي تصيب الإنسان والحيوان. ويرى جيمي مارسي، وهو مهندس بشركة كروميك لصناعة أجهزة الرصد في مدينة سيدجيفيلد في بريطانيا، إنه من بين مزايا مثل هذه التقنية إمكانية امتصاص جميع العناصر في بيئة ما ثم تحليلها والخروج بصورة كاملة عن أوضاعها بدلا من البحث عن عامل معين من العوامل المسببة للأمراض، ويؤكد أن هذه الخاصية تنطوي على فائدة في المجال العسكري لأنها تتيح إمكانية اكتشاف الأسلحة البيولوجية. ويعمل مارسي بالتعاون مع كلارك وليجيت على صناعة جهاز بحجم علبة الأحذية يقوم بسحب عينات من الهواء بشكل مستمر ثم استخراج الأحماض النووية منها، وتغذية تلك البيانات في منظومة تعمل بخوارزميات الذكاء الاصطناعي من أجل التعرف على أي مسببات لأمراض الجهاز التنفسي.

ولكن فكرة جمع عينات من الحمض النووي المنقول جوا بشكل مستمر تثير قلق بعض العلماء، حيث إن تحليل مثل هذه العينات قد تسمح بتحديد هوية أشخاص بعينهم مع معرفة أصولهم الوراثية بل وبعض الأمراض الجينية التي قد يعانون منها، مما يثير تساؤلات بشأن حقوق حماية الخصوصية للأفراد. ويعقب الباحث كرير قائلا إن “أكثر ما يخيف بعض العلماء هو رد الفعل السلبي الذي قد يفرض قيودا على أعمالهم، وبالتالي ينبغي أن نوغل بحرص فيما يتعلق بهذا المبحث العلمي الجديد حتى لا نفقد إمكانية سبر أغوار عالم التنوع البيولوجي بواسطة تقنيات تحليل الحمض النووي في الهواء”.

The post الحمض النووي في الهواء.. تقنية جديدة تكشف أسرار التنوع البيولوجي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress