الحكم على الغنوشي بالمؤبد يفاقم الجدل حول استقلال القضاء والواقع الحقوقي في تونس
أصدرت محكمة تونسية، الثلاثاء، حكماً بالسجن المؤبد بحق راشد الغنوشي، رئيس البرلمان السابق وزعيم حركة النهضة، في إطار القضية المعروفة إعلامياً بـ”الجهاز السري لحركة النهضة”، إلى جانب أحكام متفاوتة بحق عشرات المتهمين الآخرين.
وذكرت وكالة الأنباء التونسية الرسمية أن الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس أصدرت أحكاماً تراوحت بين السجن لمدة 10 سنوات والسجن مدى الحياة، بعد إدانة المتهمين بتهم تتعلق بـ”تكوين وفاق إرهابي والانضمام إليه، ووضع كفاءات وخبرات على ذمة تنظيمات وأشخاص لهم علاقة بجرائم إرهابية”، وفقاً لقانون مكافحة الإرهاب.
وبحسب الأحكام الصادرة، حكم على الغنوشي بالسجن المؤبد مرفقاً بـ30 سنة سجناً إضافية، فيما نال عدد من المتهمين الآخرين أحكاماً بالسجن المؤبد مع مدد سجنية متفاوتة، من بينهم مصطفى خذر الذي صدر بحقه حكم بالسجن مدى الحياة إضافة إلى 96 سنة سجناً، فيما تراوحت الأحكام الأخرى بين عشرات السنين والمؤبد.
كما قضت المحكمة بسجن رئيس الحكومة الأسبق وقيادي حركة النهضة، علي العريض، لمدة 42 سنة، إلى جانب أحكام أخرى بحق قيادات ومتهمين في القضية، مع إخضاع جميع المدانين للمراقبة الإدارية لمدة خمس سنوات بعد انقضاء العقوبات السجنية.
وتعود القضية إلى مطلع عام 2022، إثر شكاية تقدمت بها النيابة العمومية وهيئة الدفاع عن السياسيين الراحلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، اللذين اغتيلا عام 2013. واتهمت هيئة الدفاع ما وصفته بـ”الجهاز السري” التابع لحركة النهضة بالتورط في الاغتيالات السياسية وممارسة أنشطة تجسس واختراق مؤسسات الدولة، وهي اتهامات نفتها الحركة مراراً واعتبرتها ذات دوافع سياسية.
وعقب صدور الأحكام، وصفت هيئة الدفاع عن الغنوشي الحكم بأنه “صادم وظالم”، معتبرة أن القضية ذات طابع سياسي وأن التهم الموجهة إلى موكلها تفتقر إلى الأساس القانوني. كما قالت إن الملف أُعيد فتحه رغم صدور أحكام سابقة اعتبرت، بحسب الهيئة، أن الغنوشي لا علاقة له بالوقائع موضوع الاتهام.
من جهتها، استنكرت حركة النهضة الأحكام الصادرة، معتبرة أنها تمثل “انحرافاً خطيراً في مسار العدالة”، ووصفت المحاكمة بأنها جرت في ظروف تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، خصوصاً بعد اعتماد جلسات مغلقة. كما اعتبرت أن الأحكام تشكل “وصمة عار في تاريخ القضاء التونسي”، مطالبة بالإفراج عن جميع من وصفتهم بـ”المساجين السياسيين”.
ويقبع الغنوشي، البالغ من العمر 84 عاماً، في السجن منذ أبريل 2023، بعد توقيفه على خلفية تصريحات اعتبرتها السلطات تحريضاً على الفوضى والعصيان. وقد صدرت بحقه خلال الفترة الماضية أحكام أخرى في قضايا منفصلة، بينها حكم بالسجن لمدة 20 عاماً في القضية المعروفة إعلامياً بـ”المسامرة الرمضانية”.
في المقابل، تؤكد السلطات التونسية أن جميع الموقوفين يُحاكمون في إطار قضايا جنائية ووفق الإجراءات القانونية المعمول بها، وتنفي وجود معتقلين على خلفية آرائهم أو انتماءاتهم السياسية.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الجدل السياسي والحقوقي في تونس بشأن التدابير الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد في يوليو 2021، والتي ترى أطراف معارضة أنها تمثل خروجاً عن المسار الدستوري، فيما تعتبرها السلطات ضرورية لإصلاح مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد.