الحقيوي: السينما المغربية تواجه سؤال الهوية وإكراهات السوق والمهرجانات

تُثير السينما المغربية، اليوم، أسئلة تتجاوز حدود الفيلم إلى قضايا الثقافة والحرية والذائقة ودور المؤسسة والنقد والجمهور؛ في ظل مفارقة لافتة بين أعمال تحصد التقدير في المهرجانات الدولية وبين أخرى لا تترك الأثر نفسه لدى المتلقي المغربي.

وفي هذا السياق، يكتسب الحوار مع الكاتب والناقد السينمائي سليمان الحقيوي أهمية خاصة، باعتباره أحد الأصوات التي تنظر إلى السينما بوصفها ممارسة فكرية وجمالية قبل أن تكون صناعة أو فرجة.

في هذا الحوار مع هسبريس، يقترب الحقيوي من أبرز الإشكالات التي تواجه السينما المغربية؛ من سؤال اللغة الجمالية وأزمة السيناريو إلى منظومة الدعم، وعلاقة الفيلم بالمهرجانات والجمهور، ومستقبل النقد في زمن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، مقدما قراءة نقدية تسعى إلى مساءلة الواقع واستشراف آفاقه.

نص الحوار:

بعد سنوات طويلة من مواكبتك للسينما المغربية، هل تعتقد أن الفيلم المغربي استطاع أن يصنع لغته الجمالية الخاصة، أم أنه لا يزال يتحرك بين تقليد النماذج الغربية وبين إرضاء لجان الدعم والمهرجانات؟

الفيلم المغربي، في أغلب تجاربه، لم يبلغ بعد لحظته الجمالية التي قد تجعله متفردا في لغته البصرية. أقول هذا وأنا واع بحجم التراكم الذي عرفته السينما المغربية خلال العقدين الأخيرين تحديدا؛ لكن الوفرة الإنتاجية شيء، وتوفر ملامح جمالية أمر مختلف تماما. وحين أتحدث عن هذه الملامح فلا أقصد الأسلوب الشخصي لهذا المخرج أو ذاك؛ بل أقصد نمطا جماليا معينا.

صحيح أن مسار السينما المغربية ساعد في ظهور تجارب مهمة وحساسيات مختلفة؛ لكن لم نصل الحد الذي نصف من خلاله السينما المغربية بسمات خاصة بها، في مقابل ذلك هناك تجارب مختلفة في الرؤى والتصورات. وقد ساعد على ذلك استعداد المخرج المغربي للاشتغال وفق منطق الاستجابة، الاستجابة للسوق الخارجي -المهرجانات تحديدا- ثم المنتجين، وأحيانا التلفزيون. وفي سياق آخر الاستجابة لمنطق تجاري لا فرق بينه وبين التلفزيون. والمشكلة في منطق الاستجابة هي أنه يدفع المخرج إلى كتابة السيناريو وهو يفكر في لجنة الدعم قبل أن يفكر في الفيلم نفسه، ثم يصور وهو يفكر في المهرجان قبل أن يفكر في المتلقي. وهذه بنية إنتاجية تفرض جماليات بعينها، جمالية ما أسمّيها بـ”جمالية الإرضاء”، حيث يصبح الفيلم موجها لإرضاء هذا أو ذاك.

وما يزيد اليوم من صعوبة الإجابة عن هذا السؤال أي وجود اللغة أو انتفاؤها في واقع سينمائي هجين وأقصد التمويل المشترك، التي قد تضع المخرج في بيئة مختلفة وتفرض عليه قواعد أخرى يكون فيها منطق التوزيع هو الأهم، فإن لم يحسن التفاوض معه سيذوب وسط توقعات جمالية معينة تجاه ما يُفترض أن يبدو عليه “الفيلم الإفريقي” أو “الفيلم العربي” أو “الفيلم المغاربي”، وهي تصنيفات قد تحمل في طياتها نظرة استشراقية متجددة قد يقع فيها المخرج دون وعي كامل بذلك.

يقال إن أزمة السينما المغربية ليست أزمة إنتاج، وإنما أزمة كتابة ورؤية. إلى أي حد تتفق مع هذا الطرح؟ وهل أصبح السيناريو الحلقة الأضعف في صناعة الفيلم المغربي؟

إن اختزال مشكل السينما في الكتابة أو السيناريو هي مسألة شائعة، حتى في تجارب غربية وعربية؛ غير أنّ مشكلتنا مع الكتابة تشكلت في سياق مختلف. ودعني أوسّع هنا مفهوم الكتابة ليشمل كل صنوفها. نحن لدينا خصومة قديمة مع الكاتب والمثقف (وأقصد الجانب المؤسسي)، لم ننظر أبدا إلى الكتابة إلا من باب الريبة والتوجّس. لذلك، ظل الكاتب وما يكتبه في الظل. وإذا انتقلنا إلى السينما لن تجد اختلافا كبيرا حتى بين المنتمين إلى القطاع أنفسهم.

أضف إلى ذلك أننا ورثنا نُظم دعم كرست أغلب الأدوار التقنية؛ المخرج والمنتج… إلخ؛ ولكنها لم تكرس دور السيناريست. في مصر مثلا، نجومية الكاتب لا تقل في شيء عن نجومية المخرج أو الممثل. وهناك مسألة أخرى مهمة في هذا الصدد، أتمنى أن نتمكن في يوم ما من قراءة النصوص التي ترفضها لجان الدعم كاملة وأيضا تقارير عن النصوص المقبولة، كي نعرف -على الأقل- تصور بعضنا البعض للسيناريو والكتابة.

وإن كنت سأوظف هنا مفهوم الأزمة فسأربطه بجانب واحد هناك أزمة الرؤيا، أي غياب الموقف الفلسفي والجمالي للمخرج من الواقع الذي يصوره؛ وهو غياب يحول الكاميرا من أداة مساءلة فكرية ووجودية إلى أداة تسجيل تلتقط سطح المجتمع دون أن تفهمه.

مع هذه الأسباب أصبح السيناريو هو الحلقة الأضعف، لأن المنظومة السينمائية بأكملها همّشته وحوّلته إلى عنصر ثانوي مقارنة بالإنتاج والإخراج؛ وهو ما يجعل أفلامنا بدون هوية سردية، إذ تعاني السيناريوهات المغربية مما يمكن تسميته بـ”الوظائفية الأخلاقية والاجتماعية”. إن الشخصية لا تولد ككائن حي يحمل تناقضات داخلية وتوترا بين الثبات والتحول؛ بل تولد نماذج نمطية مسبقة التحديد، دون أن تعرف هذه النماذج نموا دراميا أو صراعا نفسيا حقيقيا يغيّر من قناعاتها. وهذا ما يفقد الفيلم جدليته الدرامية، ويحوّله إلى عرض فاقد للحياة.

ويأتي هذه الارتباك بسبب الخلط الفادح بين الموضوع الاجتماعي وبين البناء الدرامي، إذ يعتقد كثير من كتّاب السيناريو والمخرجين أن مجرد ملامسة تابو اجتماعي أو قضية جريئة؛ كالفقر أو الدعارة أو الأمهات العازبات أو الفساد السياسي… كاف لمنح الفيلم شرعيته وقيمته الفنية، فتُعرض القضية كمادة خام دون صهرها في بناء درامي محكم يقوم على السببية وتصاعد الصراع وتوليد المعنى البصري، فتأتي الأفلام أشبه بمرافعات صحافية أو تقارير حقوقية.

ولا يمكن أن نهمل أهم معضلة، وهي وثالثها، مأسسة مخرج/ مؤلف/ منتج”؛ فنظام الدعم المغربي كرّس عقلية المخرج الذي يكتب وينتج ويخرج، وأحيانا يمثل، رغبة في الاستئثار بالقرار المالي والفني معا. وظلت مهنة السيناريست المحترف، بوصفها مهنة مستقلة قائمة بذاتها، شبه منعدمة أو مغيّبة في العقد الإنتاجي المغربي.

تثير كتاباتك النقدية أسئلة حادة حول علاقة السينما بالمجتمع. هل ما تزال السينما المغربية تمتلك الجرأة لمواجهة القضايا الكبرى، أم أنها أصبحت أسيرة المواضيع الآمنة التي لا تزعج أحدا؟

بالفعل، كانت هناك فورة في طرق مختلف المواضيع بجرأة كبيرة؛ لكن في الكثير من تلك الأفلام ظلت الجرأة موضوعاتية أكثر منها جرأة فكرية.

إن الجرأة الحقيقية ليست في اختيار الموضوع الحساس؛ بل في الموقف الفكري من هذا الموضوع، وفي القدرة على زعزعة يقين المشاهد وليس استعراض جرحه أمامه فقط.. فكثير من أفلامنا التي تصنف “جريئة” تكتفي بعرض الصورة الاجتماعية المعاكسة، أي تستبدل الصورة النمطية بصورة أخرى جاهزة أيضا، دون أن تفكك آلية إنتاج المعنى نفسه.

أضيف إلى ذلك أن الجرأة الحقيقية لا تُقاس بردة فعل الرقيب أو الجمهور؛ بل تُقاس بقدرة الفيلم على أن يبقى مزعجا بعد سنوات من عرضه، أي أن يستمر في إثارة سؤاله حتى حين تتغير الظروف الاجتماعية التي أنتجته.

فثمة فرق جوهري بين أن تعرض القضية وأن تفكر فيها، وأغلب سينمانا اليوم لا تزال عالقة في الخطوة الأولى. كما أن هناك وجها أخطر للرقابة، والرقابة الذاتية التي يمارسها المخرج على نفسه قبل أن يمارسها عليه أي جهاز رسمي. هذه الرقابة أخطر أحيانا من الرقابة الخارجية؛ لأنها تعمل بصمت، وتقنع صاحبها بأنه يتخذ “خيارات فنية”؛ بينما هو في الحقيقة يتجنب مواجهة مباشرة مع الذاكرة الجماعية الحساسة. سنوات الرصاص مثلا لا تزال حاضرة في سينمانا بحذر شديد، رغم أهميتها التاريخية القصوى لفهم المغرب المعاصر.

يتهم بعض السينمائيين النقاد بأنهم يكتفون بإصدار الأحكام دون فهم صعوبة صناعة الفيلم، بينما يرى النقاد أن المخرجين يرفضون أي نقد جاد. أين تقف داخل هذا الصراع؟ وهل فقد النقد السينمائي المغربي سلطته المعرفية؟

هذا الصراع قديم قدم السينما نفسها، وهو ليس خاصية مغربية بقدر ما هو بنية متكررة في كل ثقافة سينمائية تمر بمرحلة تكوّن. صحيح أن بعض الكتابة النقدية المغربية تكتفي بإصدار حكم قيمي سريع دون امتلاك أدوات تحليلية كافية لتفكيك الفيلم من الداخل؛ لكن لهذه القراءات أهميتها أيضا، على الرغم من أن بعض المخرجين يرفضون الكتابة عن أفلامهم بهذه الكيفية، ولا يرفضونها إذا كانت في صالحهم.

إن الاعتراض ليس مبدئيا بقدر ما هو مصلحي. وأعتقد أن جزءا كبيرا من هذه العلاقة المتوترة تشكل في سياق المهرجانات، وخاصة المهرجان الوطني للفيلم، حيث نشاهد الأفلام ونحتك ببعضنا البعض مخرجين ونقادا وغيرهم، وأحيانا تكون مطالبا بإصدار حكم أو الكتابة عن الفيلم بشكل فوري؛ بينما ينظر المخرج إلى الجائزة فيصير كل كلام عن الفيلم تشويشا ونسف فرصة الفيلم في نيل جائزة ما.

وعودة إلى سؤال فقدان النقد لسلطته، فالوضع اليوم تغير بشكل جذري؛ فالكثير من القيم، كالجودة والعمق والتفكير، سقطت لصالح قيم أخرى كالسرعة والاستسهال والتسطيح… ثم الأهم التغير في الوسائط التي يقدم عبرها النقد، وأقصد الكتابة في مقابل وسائل التواصل.

كما أن الصحافة الثقافية المتخصصة تراجعت، والمجلات السينمائية الجادة أصبحت نادرة؛ بينما توسعت مساحة “الرأي السريع” على منصات التواصل الاجتماعي التي تمنح كل مشاهد صفة الناقد بمجرد كتابة تعليق. هذا لا يعني أن النقد الجاد اختفى؛ لكنه أصبح صوتا بين أصوات كثيرة، فَقَدَ امتيازه التاريخي كمرجع وحيد لتوجيه الذائقة العامة.

في زمن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، هل أصبح الناقد السينمائي مهددا بالاختفاء أم أن الحاجة إلى القراءة النقدية العميقة أصبحت أكبر من أي وقت مضى؟

نحن نعيش بين زمنين؛ زمن الناقد بصفته سلطة احتكارية لتقييم الأعمال وزمن المنصات والذكاء الاصطناعي، بل صار الزمن الأول سائر إلى زوال. هذه حقيقة. أما الناقد بصفته قارئا عميقا قادرا على إنتاج المعنى فحاجتنا إليه تتضاعف يوما بعد يوم؛ لأن وفرة الصور والآراء السريعة لا تنتج معرفة. لذلك، فوظيفة الناقد اليوم أن يقدم نموذجا للقراءة العميقة وسط هذا التعدد، أن يذكّر بأن حرية التأويل لا تعني تساوي كل التأويلات في قيمتها المعرفية. أما الذكاء الاصطناعي، فأرى فيه تحديا من طبيعة مختلفة تماما. هذه التقنيات قادرة على إنتاج الكثير من التلخيص، إلى التوصيف، بل وحتى محاكاة أسلوب نقدي معين؛ لكنها قد تكون عاجزة عن بلوغ تلك المواجهة الحقيقية بين وعي إنساني وعمل فني في لحظة تاريخية محددة. النقد الحقيقي ليس معلومة يمكن استخلاصها؛ بل تجربة تأويل تحمل بصمة الناقد وتاريخه الشخصي مع السينما.

شهدت السينما المغربية تطورا كميا ملحوظا خلال العقدين الأخيرين؛ لكن هل انعكس هذا التطور على جودة الأفلام وقوتها الفنية أم أننا أمام وفرة إنتاجية تخفي هشاشة إبداعية؟

لا شك في أن السينما المغربية حققت، خلال العقدين الأخيرين، تطورا كميا مهما، وانتقلت من إنتاج بضعة أفلام سنويا إلى أكثر من 25 فيلما، بفضل سياسة الدعم العمومي التي أسهمت في بناء صناعة لم تكن موجودة من قبل، وهذا مكسب لا ينبغي التقليل من أثره. لكن إذا انتقلنا من منطق الكم إلى منطق الكيف، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيدا؛ فالزيادة في عدد الأفلام لم تُترجم بالوتيرة نفسها إلى زيادة في عدد الأعمال التي تترك أثرا. ما تحقق هو اتساع في الإنتاج أكثر مما هو نضج في التجربة، إلى درجة أن البعض لم يعد معنيا بمآل الفيلم بعد الإنتاج؛ لأنّ الغاية -أي الحصول على الدعم- قد تحققت. كما أن بعض الأفلام أصبحت تميل إلى تكرار وصفات أثبتت نجاحها في المهرجانات أو لدى لجان الدعم؛ وهو ما يحد من روح المغامرة والإبداع.

ومع ذلك، لا أنظر إلى هذه المرحلة بتشاؤم، فكل تراكم كمي يمكن أن يفضي إلى تحول نوعي إذا توفرت الشروط المناسبة. واليوم، بدأت تظهر أسماء تمتلك حسا مختلفا؛ وهو ما يدعو إلى التفاؤل. أعتقد أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تنتقل من دعم إنتاج الأفلام إلى دعم تطور المشاريع والتجارب، حيث تُكافأ القدرة على التجدد من فيلم إلى آخر، وليس مجرد إنتاج فيلم جديد.

إن نجاح السينما المغربية لن يُقاس بعدد الأفلام التي تُنجز كل سنة؛ بل بعدد الأفلام التي تبقى في ذاكرة الجمهور وتصبح جزءا من الذاكرة الثقافية المغربية، وهذا لا يمكن أن يحصل دون مساءلة لشروط الدعم نفسها.

من خلال تجربتك في الكتابة السينمائية، ما الأخطاء الفكرية والجمالية الأكثر تكرارا في الفيلم المغربي اليوم؟ وما الذي يحتاج إليه المخرج المغربي حتى يحقق مصالحة حقيقية مع المتلقي؟

أفضّل الحديث عن اختلالات تتكرّر أكثر من الحديث عن أخطاء؛ لأن السينما فعل إبداعي لا توجد له وصفة جاهزة. ومن بين ما ألاحظه أن بعض الأفلام تمنح الأولوية للرسالة على حساب البناء السينمائي؛ فيتحول الفيلم إلى خطاب يشرح ويبرر أكثر مما يقترح تجربة جمالية تترك للمشاهد حقه في التأويل.

كما أن المشهد المغربي يعيش، في تقديري، بين نزعتين لا تخدمان تطوره. فمن جهة، هناك سينما تجارية تراهن على الإثارة والسهولة وتتعامل مع المتلقي باعتباره مستهلكا فقط، تجارب تظهر أنّ الكوميديا تنجح في المغرب رغم سطحيتها، ونجاحها أدى إلى تكرارها وفي أغلب الأحيان بالوجوه نفسها. ومن جهة أخرى، هناك أفلام تبدو وكأنها تتوجه منذ البداية إلى المهرجانات الدولية أكثر من توجهها إلى الجمهور المغربي، فتغرق أحيانا في صيغ بصرية مطلوبة هناك؛ من إيقاع أو رمزية مغلقة… تجعلها بعيدة عن المتلقي المغربي. وفي الحالتين، يصبح الفيلم أسير تصور مسبق عن جمهوره، بدل أن يبحث عن لغته الخاصة.

كما يعد الحوار السينمائي مشكلة كبرى، تستحق وقفة مستقلة. الممثل المغربي يجد نفسه غالبا أمام نص غير ناضج، فيضطر إلى تعويض ضعف الكتابة بأداء مبالغ فيه؛ مما يفسر جزئيا ظاهرة الأداء العالي أو الزائد الذي اعتدناه في التلفزة، فتحوّل مع الممثلين أنفسهم وأحيانا المخرجين والمنتجين أنفسهم إلى السينما.

تُمنح الأفلام المغربية حضورا لافتا في المهرجانات الدولية، لكن كثيرا منها يغيب سريعا عن ذاكرة الجمهور المحلي. هل أصبح الفيلم المغربي يصنع للمهرجانات أكثر مما يصنع للمشاهد المغربي؟

هذا السؤال يثير أمرا في غاية الأهمية، لقد نجح بعض المخرجين المغاربة في فك شيفرة المهرجانات؛ لكنهم لم يجتهدوا للوصول إلى الجمهور المحلي بالطريقة نفسها. أحيانا تحس بأن جزءا كبيرا من هذه الأفلام غير معنيّ بجمهوره، وهذا أمر قد يكون مفهوما في حالات ما؛ لكن أن تبحث كلّ الأفلام عن مواضيع قابلة للتصدير، وكأنها منتجات تخضع لمعايير الآخر، فهذا ما يستحق التوقف عنده. فالمهرجان الدولي يمنح رأسمالا رمزيا فوريا وملموسا؛ جائزة، تغطية إعلامية، دعوات لمهرجانات أخرى، بينما اعتراف الجمهور المحلي بطيء، غير مضمون، ولا يترجم دائما إلى نجاح واضح المعالم. لذلك، فمن الطبيعي، في ظل هذا التفاوت، أن يميل بعض صناع الفيلم، خصوصا حين يكونون في بداية مسارهم نحو الاستجابة لمنطق المهرجان وليس منطق الجمهور. لكنني أميّز هنا بوضوح بين نوعين من العلاقة بالمهرجان؛ مخرج يذهب إلى المهرجان لأن فيلمه صادق مع سياقه المحلي أولا فيلتقطه المهرجان لصدقه، ومخرج يبني فيلمه أصلا وفق حسابات ما تنتظره لجان التحكيم.

لكن المشكلة في كلا الحالتين ليست فقط في اختيارات المخرجين؛ بل في غياب سياسة توزيع محلية جادة أيضا، نلاحظ مرارا فيلما يحقق نجاحا في “كان” أو “البندقية” قد لا يجد قاعة عرض واحدة تستمر في برمجته أكثر من أسبوعين في المغرب، بينما تستمر دور العرض في احتكار برمجتها للإنتاجات التجارية الأجنبية الكبرى. هذه معضلة بنيوية تتجاوز مسؤولية المخرج الفردي لتطال منظومة التوزيع؛ وهو ما يجعلني أقول إن جزءا كبيرا من غياب الذاكرة المحلية ليس ذنب الفيلم بقدر ما هو ذنب البنية التي لا تمنحه فرصة حقيقية للقاء جمهوره. الحل ليس في إدانة الطموح المهرجاني؛ فالحضور الدولي مكسب مشروع ومهم لصورة السينما المغربية وتوسيع أفق تمويلها، لكنه يجب ألا يتحول إلى غاية وحيدة تُفرغ الفيلم من علاقته الحيوية بسياقه الأصلي. الفيلم الجيد فعلا هو الذي يستطيع أن يخاطب الاثنين معا دون انفصام، أن يكون صادقا مع خصوصيته بعمق كاف يجعله عالميا بالضرورة، تماما كما فعلت السينما الإيرانية حين صدّرت قراها الصغيرة إلى العالم دون أن تفقد جذورها المحلية. هذا هو التحدي الحقيقي: أن نصنع أفلاما مغربية تصل إلى المهرجان لأنها صادقة مع جمهورها أولا، وليس العكس.

كيف تنظر إلى واقع الكتابة النقدية في المغرب؟ وهل لا يزال النقد السينمائي ينتج أفكارا جديدة، أم أنه دخل مرحلة التكرار وإعادة إنتاج الخطابات نفسها مع تغير أسماء الأفلام؟

أعتقد أن جزءا كبيرا من صورة النقد السينمائي المغربي تشكلت عبر شرط التلقي أولا، الذي لم يفصل في مراحل كثيرة بين الفيلم والإيديولوجيا، ستجد امتدادا لهذا حتى اليوم. كما أن النقد وجد نفسه دون سند، فأغلب النقاد خطوا مسيرتهم بعصامية؛ فالمنابر المتخصصة كانت وما زالت قليلة أو منعدمة، والولوج إليها كان غير يسير أيضا. كما أن المؤسسات تنظر إلى الناقد بتوجس، بخلاف بلدان أخرى كمصر التي كانت ولا تزال تنظر إليه كشريك في مضي الصناعة السينمائية. لذلك، أعتقد أن مسألة إنتاج الأفكار مرتبطة بأفراد وليس بمجال النقد عموما، على الرغم من أنّ زمن الاحتفاء بالأفكار خفت.

وما يزيد من حدة الأزمة أن وسائل التواصل الاجتماعي أثرت على منظومة النقد بأكملها، على الرغم من أنني لستُ ممن يرفضون هذه المنصات بأي حجة كانت، لأنها أتاحت فعلا لأصوات جديدة أن تصل إلى جمهور واسع بسرعة لم تكن متاحة من قبل؛ لكن منطق هذه المنصات، القائم على الاختصار والاستقطاب والبحث عن التفاعل الفوري، يكافئ الرأي الحاد القاطع أكثر مما يكافئ التحليل المتأني. وهذا يخلق -في رأيي- ضغطا غير مباشر حتى على النقاد المتمرسين، إذ يجدون أنفسهم أحيانا مدفوعين إلى صياغة أحكامهم بأسلوب أكثر حدة واستقطابا مما تقتضيه طبيعة التحليل الفعلي، سعيا إلى مواكبة إيقاع المنصة وإغراءاتها. لذلك، فمقاومة هذا الضغط والحفاظ على مسافة نقدية هادئة، رغم سرعة الإيقاع الرقمي المحيط، أمر مطلوب اليوم أكثر من أي وقت.

لو طلبنا من سليمان الحقيوي أن يوجه رسالة صريحة إلى المخرجين الشباب والنقاد والمؤسسات الثقافية والجمهور المغربي في آن واحد، فما الوصايا الفكرية والجمالية التي يعتبرها ضرورية لإنقاذ السينما المغربية وبناء مستقبل أكثر جرأة وعمقا وإبداعا؟

لا أحب أن أضع نفسي في مكان يسمح بإعطاء رسائل أو نصائح؛ لكن إذا كان لي أن أشارك بعض الأفكار التي خرجت بها بعد سنوات من متابعة السينما المغربية وكتابتها، فسأبدأها بالمخرجين الشباب:

لا تجعلوا الفيلم يُكتب وفق ما تتوقعونه من لجان الدعم أو المهرجانات، بل وفق السؤال الذي يشغلكم حقا؛ فالفيلم الذي يبقى هو الفيلم الذي يحمل رؤية صادقة، وليس الفيلم الذي يطابق توقعات الآخرين. من الضروري أخذ الوقت الكافي لتطوير السيناريو؛ لأن كثيرا من الاختلالات تبدأ من الاستعجال.

وإلى النقاد، وأنا واحد منهم، أقول: مسؤوليتنا ليست إصدار الأحكام، بل إنتاج معرفة تساعد على فهم الفيلم ووضعه في سياقه؛ فالنقد الحقيقي لا يقف في مواجهة المخرج، بل يحاوره، حتى في حال الاختلاف معه.
أما المؤسسات الثقافية، فأعتقد أنها مطالبة اليوم بالاستثمار في التكوين بقدر استثمارها في الإنتاج، وبمواكبة المشاريع منذ مراحلها الأولى، وتشجيع التوزيع والعرض؛ لأن حياة الفيلم لا تكتمل بمجرد إنجازه، بل حين يصل إلى جمهوره. وأعتقد أن هناك ورشا لا يقل أهمية عن دعم الإنتاج، وهو استثمار في جمهور للسينما. فلا يمكن أن نطالب الجمهور بحب السينما إذا لم نُربِّه عليها منذ الطفولة. نحن بحاجة إلى إدماج الثقافة السينمائية في المدرسة، وإلى نوادٍ سينمائية للأطفال واليافعين، وعروض تربوية منتظمة، حتى تصبح مشاهدة الفيلم عادة ثقافية وليس طقسا موسميا. إن المتفرج الواعي لا يولد صدفة؛ بل يُبنى بالتربية والممارسة، وكل استثمار في تكوين الجمهور هو استثمار في مستقبل السينما نفسها.

أما الجمهور المغربي، فأتمنى أن يمنح الفيلم المغربي فرصة المشاهدة والنقاش، وأن يحاكمه بمعايير فنية، وليس بمنطق التشجيع أو الرفض المسبق.

وفي النهاية، أعتقد أن مستقبل السينما المغربية مسؤولية مشتركة؛ فهي ليست في أزمة مستعصية، ولا هي سائرة في ازدهار، هي تعيش لحظة انتقال تحتاج إلى مزيد من الثقة والنقد والعمل الجماعي.

The post الحقيوي: السينما المغربية تواجه سؤال الهوية وإكراهات السوق والمهرجانات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress