الحقيقة التي لم تنفجر بعد
غادة المرّ
بيروت … يا جرحنا النازف
في حياة الأوطان، هناك لحظات لا يمرّ عليها الزمن، بل يمرّ الزمن من خلالها. تبقى معلقة في الذاكرة، لا لأنها كانت الأكثر دموية فحسب، بل لأنها غيّرت علاقة الإنسان بوطنه، وبالدولة، وبالحقيقة نفسها.
كان مرفأ بيروت واحدة من تلك اللحظات.
في الرابع من آب، لم يهتز الإسمنت وحده، ولم تتناثر الحجارة والزجاج فقط. شيءٌ أعمق انكسر في قلب اللبنانيين. انكسرت الطمأنينة، وسقط اليقين بأن الإنسان في وطنه محميٌّ بمؤسسات تعرف واجبها، وتحاسب من يخطئ. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد المرفأ مجرد مكان، بل صار ذاكرةً مفتوحة، وجرحاً يرفض أن يلتئم لأنه لم يعرف الحقيقة كاملة.
كلما مرّ الوقت، بدا أن الدخان الذي غطّى سماء بيروت قد تلاشى، لكن دخان الأسئلة بقي أكثر كثافة. كيف وصلت هذه المواد إلى قلب العاصمة؟ من علم؟ من سكت؟ من تجاهل؟ ومن اعتقد أن التأجيل أقل كلفة من القرار؟ أسئلة لم تكن يوماً بحثاً عن الانتقام، بل عن الحد الأدنى من العدالة التي تمنح الضحايا حقهم، والأحياء حقهم في ألا تتكرر المأساة.
الحقيقة ليست ترفاً سياسياً، ولا شعاراً يُرفع في المناسبات. الحقيقة هي آخر ما يبقى للذين فقدوا أبناءهم، وآخر ما تتمسك به الأوطان عندما تتصدع الثقة بينها وبين مواطنيها. وكل يوم تتأخر فيه الحقيقة، يتسع الفراغ، ويصبح الصمت أكثر بلاغة من الكلمات، وتكبر المسافة بين الدولة وشعبها.
خلال السنوات الماضية، تعثر التحقيق، وتداخل القانون بالسياسة، وتزاحمت الروايات حتى كادت تطغى على الوقائع. ثم عاد الملف إلى الحركة، لكن العدالة ما زالت في منتصف الطريق، وما زال اللبنانيون ينتظرون أن تقول المؤسسات كلمتها النهائية وفق الأدلة والقانون، لا وفق موازين القوة أو تبدل المصالح.
قد ينجح الزمن في إزالة آثار الركام، لكنه لا يزيل أثر الغياب. فهناك أمّ ما زالت تنتظر باباً لن يُفتح، وأبٌ ما زال يحتفظ بصورة ابنه كما كانت قبل الانفجار، ومدينةٌ كلما مرّت بمحاذاة البحر، سمعت في أعماقها ذلك الصوت الذي لم يغادرها منذ ذلك المساء.
إن المرافئ تُبنى بالحجارة، أما الأوطان فتُبنى بالحقيقة. وإذا كان بالإمكان إعادة إعمار الأرصفة والمباني، فلا أحد يستطيع إعادة إعمار الثقة ما لم تُكشف الوقائع كاملة، وما لم يشعر الناس أن العدالة قادرة على الوصول إلى أي مسؤول، أيّاً كان موقعه، استناداً إلى القانون والأدلة.
سيأتي يوم تُصبح فيه صور الضحايا جزءاً من كتب التاريخ، لكن السؤال سيبقى حياً ما بقي لبنان حياً: هل تعلّمنا من الكارثة، أم اكتفينا بتأبينها؟
ربما لا تستطيع الحقيقة أن تعيد الذين رحلوا، لكنها وحدها قادرة على إنقاذ الذين بقوا. فالأوطان لا تموت عندما تقع فيها الكوارث، بل عندما تعتاد أن تعيش بلا حقيقة.
ولعل أكثر ما يخشاه اللبنانيون ليس أن يطول انتظار العدالة، بل أن يصبح الانتظار نفسه قدراً… وأن يتحول الصمت، مع مرور الزمن، إلى شاهد زور على أكبر جراح الوطن.