الحضور النسائي المتصاعد في أسواق الماشية يكسر الاحتكار الرجالي بالمغرب

ارتبط سوق الماشية أو “الرحبة” كما تسمى بالعامية، تاريخياً في المخيال المغربي بالرجال؛ فهو فضاء حُفر في الذاكرة الجمعية كسوق ذكوري بامتياز، يحتكر فيه الرجل أدوار “الكساب” أو “الشناق” أو “الشاري”.

ويختزل هذا الفضاء صورة نمطية عن “الفحولة” والصلابة البدنية والجسارة في التفاوض وخوض سجالات تتسم في الغالب بلغة حادة. لكن الملاحظ في السنوات الأخيرة اقتحام النساء هذا الفضاء بشكل لافت، ليس كمشتريات لأضحية العيد فقط، بل كـ”كسابات” وتاجرات أيضاً، في مشهد يعيد تشكيل ملامح فضاء تجاري تقليدي، ويفكك بنية اجتماعية كانت قائمة على التمييز بين أدوار الجنسين.

ويؤكد مهتمون تحدثوا لجريدة هسبريس الإلكترونية في هذا الشأن أن الحضور النسائي المتصاعد في سوق المواشي لم يأتِ نتيجة ثورة على المجتمع أو تطبيق قوانين جديدة، بل فرضه واقع اقتصادي ملموس تمثل في ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، ما جعل النساء معيلات لأسرهن، مؤكدين أن هذا الحضور انعكاس لواقع يكسر الصور النمطية التي تحصر أدوار الإنفاق والشراء والبيع والتفاوض في الأسواق في الرجال فقط، خاصة مع تحول القرار العائلي من فردي إلى تشاركي.

واقع جديد

بشرى عبدو، رئيسة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، قالت في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية إن “النساء أصبحن معيلات للأسر بشكل كبير في الآونة الأخيرة، حيث تعد المرأة المنفقة الأساسية على أسرتها، ولذلك فمن الطبيعي أن تتولى بنفسها مهمة اقتناء أضحية العيد، بدلاً من الاعتماد الدائم على أحد الأقارب الذكور أو الجيران للقيام بهذه المهمة نيابة عنها”.

وأضافت الفاعلة الجمعوية ذاتها أن “اقتحام المرأة سوق المواشي (البيع) يعود لامتلاكها رأس المال، ما أتاح لها دخول هذا السوق والاستثمار فيه لتحقيق ربح معين في هذه الفترة من السنة”، مشددة على أن “تواجد المرأة في هذا المجال ليس لمجرد إثبات الوجود، بل هو انعكاس لواقع ملموس يكسر الصور النمطية العالقة في الأذهان، التي تحصر أدوار الإنفاق والشراء والبيع والتفاوض في الأسواق في الرجال فقط؛ إذ استطاعت المرأة اليوم إثبات حضورها القوي وتغيير هذه الصورة السائدة في المجتمع”.

وأوضحت الحقوقية نفسها أن “هذا التغيير واجه بطبيعة الحال جيوب مقاومة، ولا سيما على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث ظهرت بعض الصفحات التي ترفض هذا الواقع وتعتبره تشويهاً لصورة الرجل المغربي بوصفه المنفق الوحيد”، وزادت: “وصل الأمر في بعضها إلى سب وشتم النساء اللواتي يدخلن أسواق الماشية لاختيار الأكباش أو بيعها”، مسجلة أن “هذه المقاومة تظهر دائماً عندما يتم كسر الصور النمطية المتعلقة بالمرأة وإبراز قوتها وحضورها الفاعل داخل المجتمع والأسرة”.

وأشارت المحدثة إلى أن “أرقام المندوبية السامية للتخطيط تؤكد أن نسبة النساء المعيلات للأسر تتجاوز 23 في المائة من النساء، وهي إحصائية تثبت ضرورة حضور المرأة أيضاً في هذا الجانب”، مؤكدة أن “هناك فئات أخرى من النساء الحاضرات في هذا المشهد، مثل الأمهات العازبات اللواتي يرعين أطفالهن بلا زوج، والأرامل، والمطلقات، بالإضافة إلى النساء المتزوجات اللواتي يتولين مسؤولية الإعالة الكاملة لأسرهن، وعليه لا يمكن تغييب هؤلاء النساء أو إنكار قدرتهن على النزول إلى الأسواق واقتناء الأضحية بأنفسهن”.

تحول هادئ

في سياق ذي صلة أوضح خالد التوزاني، أستاذ جامعي، رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، أن “دخول المرأة إلى سوق المواشي يعد زلزالاً هادئاً في فضاء تجاري ظل الرجل يحتكره لعقود طويلة، وهو تحول يتم الآن بهدوء ودون عنف، ولكن بشكل تراكمي وفي تصاعد مستمر، حيث سنشهد تبدلاً كبيراً في سوق الماشية، ليتحول إلى سوق حداثي على غرار الأسواق الكبرى التي تحضر فيها المرأة بقوة في الإدارة وفي المعاملات مع الزبائن”، مضيفاً أن “المرأة المغربية كسرت في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد جائحة كورونا، طابو المكان، فقد كانت ‘الرحبة’ أو سوق الماشية محرمة رمزياً على النساء، مثلها مثل المقاهي الشعبية والأسواق الليلية”.

وتابع التوزاني، في تصريح لهسبريس، بأن “كسر المرأة هذا العرف الاجتماعي لم يكن ثورة على قوانين المجتمع ولا تطبيقاً لقوانين جديدة، بل فرضه الواقع الاقتصادي والتغير الاجتماعي، الذي جعل وجود المرأة في السوق ليس مسموحاً أو ممكناً فقط، وإنما ضرورياً وطبيعياً؛ وبالتالي فنحن أمام تحول جذري يعكس تغيراً في تعريف ‘المسموح’ و’الممنوع’ اجتماعياً، بفعل قوى اقتصادية واجتماعية لا بفعل منظمات حقوقية”.

وسجل الأستاذ الجامعي ذاته أن “الجذور التي جعلت هذا الفضاء حكراً على الرجال متعددة، وتتشابك فيها الثقافة والاقتصاد والتصورات الذهنية؛ إذ إن أسواق الماشية تتطلب قوة بدنية وصبراً على الأعمال الشاقة مثل مسك الخروف أو رأس الماشية، وهذه الأعمال كانت تُقرأ ثقافياً على أنها ‘لا تليق بالنساء’ وتحتاج قوة رجولية”، وزاد: “إضافة إلى أن سوق الماشية يتطلب القدرة على المواجهة الكلامية والحجاج والتفاوض على الثمن. ومن المعروف أن المناقشات في ‘الرحبة’ ليست لطيفة أو رقيقة، فهي قد تتحول إلى صراع وعراك وجدال، تتطلب رفع الصوت، وأحياناً تصل السجالات إلى السب والشتم، والنكات الخشنة، والمواجهة المباشرة، وكل هذه الخصائص تتعارض مع القيم التقليدية للأنوثة”.

وأشار الأكاديمي نفسه إلى أن “هذه التصورات حول المرأة وسوق الماشية وظروفه ومدى ملاءمته لطبيعة المرأة هي تصورات متأثرة بالدين، الذي يحث على تكريم المرأة وعدم تعريضها لما يضر بسمعتها أو صحتها؛ فالدين وإن كان لم يمنع المرأة من دخول السوق أو ممارسة تجارة الماشية فيه إلا أن التفسير الشعبي أنتج حراماً اجتماعياً”، مردفا: “النساء أصبحن مسؤولات عن القرار الشرائي بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية الذي جعل الأسر تعتمد على ادخار مزدوج (الزوج والزوجة) وعلى تدبير مشترك. وحين تشارك الزوجة في التمويل يصبح لها الحق في الاختيار”.

وخلص التوزاني إلى أن “هناك نوعاً من الاعتراف الاجتماعي بقدرة المرأة على المفاوضة، فقد بدأ المجتمع يكتشف أنها غالباً ما تكون أكثر دقة وحذراً من الرجل في الصفقات الكبيرة”، وواصل: “في سوق الأضاحي النساء معروفات بدقة الملاحظة، فقد يطلبن فحص الأسنان والجلد والحوافر بتدقيق يفوق الرجال”، معتبراً أن “ما يحدث هو تحول ناعم يعيد رسم خرائط الفضاءات التقليدية بطريقة أكثر عدلاً وحداثة، دون أن يفقد المجتمع هويته”، وختم بقوله: “النساء دخلن ‘الرحبة’ ليس لأن الرجال تراجعوا، بل لأن الزمن تغير، والاقتصاد تطور، والقرارات العائلية أصبحت تشاركية، وهذا في تقديري يدل على أن المغرب يسير في اتجاه الحداثة بخطى ثابتة”.

The post الحضور النسائي المتصاعد في أسواق الماشية يكسر الاحتكار الرجالي بالمغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress