الحسيني: الفيروسات أخطر الأزمات العالمية بعد الحروب والتغيرات المناخية

في عالم يواجه اليوم أزمات متشابكة تتراوح بين الحروب والتغيرات المناخية والاضطرابات الاقتصادية، حذر تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية خبير في القضايا الاستراتيجية، من أن الفيروسات تظل واحدة من أخطر التحديات العابرة للحدود، بالنظر إلى قدرتها على تهديد حياة ملايين البشر وإرباك الأنظمة الصحية والاقتصادية على المستوى العالمي.

وخلال حديثه ضمن برنامج “أبعاد استراتيجية” على هسبريس، أوضح الحسيني أن تاريخ الفيروسات يعود إلى أكثر من قرن من الزمن، مذكرا بأن العالم الفرنسي لويس باستور كان رائدا في اكتشاف اللقاحات الأولى الموجهة للحماية من العدوى الفيروسية، في حين يعود الفضل في إثبات وجود الفيروسات إلى العالم الروسي ديمتري إيفانوفسكي سنة 1892، عندما اكتشف مادة تنتقل عبر عصارة نبات التبغ المصاب لتصيب النباتات السليمة، وأطلق عليها اسم “فيروس”.

وأشار الخبير في العلاقات الدولية إلى أنه مع بداية القرن العشرين توالت الاكتشافات العلمية المتعلقة بالفيروسات، غير أن معظمها لم يكن يشكل آنذاك خطرا كبيرا على الإنسان ما دامت موجودة داخل مستودعاتها الطبيعية، خاصة لدى الحيوانات. إلا أن تطور العالم واتساع حركة التنقل والتبادل التجاري الدولي غيّر المعادلة بشكل جذري، حيث أصبحت الأمراض الفيروسية قادرة على الانتشار بسرعة غير مسبوقة بين القارات.

وأضاف أن العالم المعاصر تحول إلى ما يشبه “القرية الكونية”، بفعل الثورة في وسائل النقل والاتصال والعولمة الاقتصادية، وهو ما جعل أي مرض معدٍ قادرا على الانتقال خلال فترة وجيزة من منطقة محدودة إلى مختلف بقاع العالم.

في هذا السياق، استحضر الحسيني عددا من الأوبئة الفيروسية التي عرفها العالم خلال العقود الماضية، على رأسها الأنفلونزا والجدري وداء الكلب، قبل أن تظهر فيروسات أكثر خطورة مثل “سارس”، و”كوفيد-19″، الذي شكل، بحسب تعبيره، نقطة تحول كبرى في تاريخ الصحة العالمية.

وأوضح أن جائحة كورونا، التي تم اكتشافها لأول مرة بمدينة ووهان الصينية أواخر سنة 2019 قبل أن تنتشر عالميا ابتداء من سنة 2020، كشفت هشاشة المنظومة الصحية الدولية أمام الفيروسات الجديدة، بعدما وجد أكثر من ثلثي سكان العالم أنفسهم خاضعين لإجراءات الحجر الصحي وارتداء الكمامات واحترام التباعد الجسدي وقيود التنقل.

ورغم النجاح النسبي الذي تحقق في تطوير اللقاحات المضادة لـ”كوفيد-19” خلال فترة قياسية، يرى الحسيني أن هذه اللقاحات لم تكن بدورها خالية من الإشكالات والتساؤلات المرتبطة بفعاليتها وآثارها الجانبية، ما يعكس حجم التعقيد الذي يواجهه العلماء في التعامل مع الفيروسات المتحورة.

وفي معرض حديثه عن التهديدات الصحية الراهنة، أكد الحسيني أن العالم بدأ يواجه مؤشرات مقلقة لظهور فيروسات جديدة قد تعيد إلى الأذهان سيناريوهات مشابهة لما عاشه خلال جائحة كورونا.

وأشار في هذا الصدد إلى اكتشاف فيروس “هانتا” على متن سفينة في عرض البحر، وهو ما دفع السلطات الصحية إلى فرض الحجر الصحي على ركابها وإخضاعهم للمراقبة الدقيقة تحسبا لأي انتشار محتمل للعدوى.

كما لفت إلى إعلان علماء صينيين عن اكتشاف فيروس جديد يحمل اسم “B.O.H.B.O.U”، كان في الأصل بعيدا عن الإنسان قبل أن يتطور ويصبح قابلا للانتقال إليه. وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن الإصابة بهذا الفيروس قد ترتبط بتناول بعض أنواع الأسماك النيئة، بما في ذلك وجبات “السوشي”، وقد يتسبب في ارتفاع خطير لضغط العين، مع ما قد يترتب عن ذلك من مضاعفات قد تصل إلى فقدان البصر.

واعتبر المتحدث في “أبعاد استراتيجية” أن التهديد الأكبر حاليا يتمثل في عودة فيروس إيبولا للظهور من جديد في إفريقيا، خاصة في كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا؛ إذ يتسم بسرعة انتشاره وتحوره، مشيرا إلى أن المرض حصد أرواح أكثر من 200 شخص، بينهم أطباء وعاملون في القطاع الصحي، فيما لا يزال نحو ألف شخص مصابين بالفيروس، فضلا عن المخاوف من امتداد العدوى إلى دول مجاورة.

وشدد على أن هذه التحديات الصحية لا يمكن التعامل معها باعتبارها شأنا محليا أو إقليميا، بل هي قضية عالمية بامتياز تتطلب تنسيقا دوليا واسع النطاق، خاصة أن العالم لم يحقق بعد اختراقات حاسمة سواء على مستوى تطوير لقاحات جديدة أو إيجاد علاجات فعالة لبعض الفيروسات المستجدة.

وانتقد الحسيني محدودية قدرة المنظمات الدولية على مواجهة هذه التحديات، معتبرا أن منظمة الصحة العالمية لا تزال تواجه صعوبات كبيرة في أداء أدوارها بالشكل المطلوب، خصوصا بعد قرار الولايات المتحدة الانسحاب منها خلال يناير الماضي، تنفيذا لمواقف سبق أن عبر عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ سنة 2020.

وأوضح أن الولايات المتحدة كانت تساهم بحوالي 1.7 مليار دولار في ميزانية المنظمة، أي ما يقارب خمس مواردها المالية، كما أغلقت وكالة التنمية الأمريكية التي كانت تلعب دورا مهما في تمويل برامج الوقاية والعلاج بعدد من الدول.

وحذر الخبير ذاته من أن هذه التطورات سيكون لها تأثير مباشر على البلدان النامية، وخاصة في القارة الإفريقية، التي تعتمد بشكل كبير على الدعم الدولي في مجالات الصحة العمومية ومكافحة الأوبئة وتطوير اللقاحات وضمان الولوج العادل إلى العلاج.

وفي ختام تحليله، أكد الحسيني أن البشرية تواجه اليوم مجموعة من التهديدات الوجودية المتزامنة، تشمل النزاعات المسلحة والتغيرات المناخية والتدهور البيئي وما يصاحبه من جفاف وفيضانات وارتفاع في درجات الحرارة، غير أن الفيروسات تبقى من بين أخطر هذه التحديات بسبب قدرتها المباشرة على حصد أرواح الملايين وإرباك المجتمعات والاقتصادات.

وخلص إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ظهور فيروسات جديدة، بل في قدرتها على التحور المستمر بوتيرة تفوق أحيانا قدرة الإنسان والعلم على تطوير اللقاحات والعلاجات المناسبة، ما يجعل اليقظة الصحية والتعاون الدولي ضرورة استراتيجية لمواجهة تحديات المستقبل.

The post الحسيني: الفيروسات أخطر الأزمات العالمية بعد الحروب والتغيرات المناخية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress