الحزب" يرفض دخول تفاوض لن يُدعَى إليه"
المواجهة تتخذ في الداخل طابع تحدٍّ غير مسبوق على أرفع مستوى، وسط غليانٍ سياسي واجتماعي يرشّح أي خطأ أو غلوّ في التدابير لتفجير الشارع. كان الرئيس جوزف عون واضحاً في أن "الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية". لا يستطيع "حزب إيران" ردّ هذه التهمة، لأنه أعلن على الملأ أنه أشعل الحرب "انتقاماً لمقتل المرشد علي خامنئي".
وعلى رغم الخسائر البشرية والعمرانية والمادية ومآسي النزوح والتهجير، لم تراجع إيران و"حزبها" موقفهما، فإذا بهما يلتقيان مع وزير الدفاع الإسرائيلي، إذ هدّد بـ"نار تحرق البلاد كلها".
واقعياً، وبما أن أكثر من ثمانين في المئة من اللبنانيين غير معنيين بالحرب الراهنة، فإن العدّوَين الإسرائيلي والإيراني باتا يحتلان الأرض جنوب نهر الليطاني.
لم تتوصّل الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران إلى نقطة حسم، إما لأن عمليات الاغتيال والتدمير لم تؤدِّ إلى احتلال أي أرض إيرانية، وإما لأن طهران تمكّنت من إثارة أزمة اقتصادية عالمية عبر إغلاق مضيق هرمز، فيما حوّلت المفاوضات إلى لعبة شطرنجية يرفض اللاعب الأميركي خوضها إلا بشروطه. لذلك تتعامل الدول المتورّطة الثلاث مع المواجهة الحالية في جنوب لبنان على أنها "تعويضٌ" لـ"نصرٍ أكيد" (!) ولكن لا يزال متعذّراً إعلانه. فليس أفضل من هذا الجنوب اللبناني المدمّر، المستباح إسرائيلياً وإيرانياً، الخالي من أهله، ساحةً لتنفيس مأزق الأفق المسدود في مفاوضات إسلام آباد، ومرتعاً يستغلّه الجنود الإسرائيليون لنهب ممتلكات الجنوبيين.
لو كانت المقاربة الأميركية للبنان أكثر اهتماماً من السابق، كما قيل، لما ارتضت هذه المرّة أيضاً أن يكون وقف إطلاق النار الممدّد مخترقاً كسابقه بـ "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس". كانت هذه دعوة معلنة في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، وبلسان الرئيس دونالد ترامب، كي تستمر إسرائيل في خرق وقف النار وتفجير البيوت والأحياء وتدعيم احتلال الأرض. فكل هذه الانتهاكات مبرّرة بمواصلة إيران و"حزبها" المواجهة أو "المقاومة" كما يدّعيان، على رغم أنهما أثبتا عدم القدرة على تغيير الواقع الميداني. لكن الأهم في إعلان ترامب أنه لا يشكّل أي دعم للدولة اللبنانية في توجهها إلى التفاوض المباشر، بل على العكس، إنه يحيط هذا التفاوض بكثير من التعقيدات (كإصراره على حرق المراحل وصولاً الى "اتفاق سلام"، ولقاء عون- نتنياهو...). لم يتفوّه ترامب بأي موقف يؤكّد دعم الدولة، بل بدا كأنه معنيٌّ بتقوية حجة إيران و"حزبها" ضد الدولة.
لم يقل نعيم قاسم في بيانه الأخير مَن دعا حزبه إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل كي يعلن رفض دخولها ومواصلة "المقاومة الدفاعية" ضدها. بل طالب السلطة مجدّداً بعدم التفاوض "لأنها تفرّط بحقوق لبنان وتتنازل عن الأرض". إلى ما هنالك من اتهامات لا تؤكّد سوى انفصاله عن الواقع، حتى إنه دعا السلطة إلى "أن تعود إلى شعبها لتجمعه حولها، فلا تكون سلطة الجزء بل سلطة الشعب"... يعتقد قاسم أن الشعب معه في حربه من أجل إيران، ومع حزبه الذي فرّط قولاً وعملاً بالحقوق (ترسيم الحدود البحرية) والأرض (الاحتلال الجديد يتوسع من 5 نقاط الى أكثر من 55 قرية).
الواقع أن "سلطة الشعب" تدعم الدولة في سعيها إلى التفاوض لـ"إنهاء الحرب" واستطراداً لـ"نزع سلاح الحزب" الذي يخطّط لإفشال أي مفاوضات.