"الحزب" والرؤساء: المعيار "الطاعة"
لا يمكن فصل سيرة أي من الأحزاب والقوى اللبنانية السياسية والحزبية عن تاريخها مع السلطات المتعاقبة بمفهوم موالاتها أو معارضتها للدولة في المطلق، ولو أن الخط الفاصل لمقاربة هذا الجانب يتمثل في الافتراض أن اتفاق الطائف شكل "خط الاندماج" للقوى اللبنانية بمفهوم الشرعية، وهو الخط الذي اقتصر أختراقه وخرقه والاستثناء الناشز فيه على "حزب الله".
بطبيعة الحال فرض تحالف الوصايتين السورية والإيرانية بعد الطائف منح إجازة التسلح لـ"حزب الله" وتشريعها قسراً عبر العهود والحكومات والبيانات الوزارية المتعاقبة، وسط ميزان قوى داخلي مختل اختلالاً مديداً طال الى ما بعد الانسحاب السوري ونشوء معسكري 14 و8 أذار.
وهو الامر الذي لا تزال مفاعيله تسحق لبنان حتى الساعة، لأنه شكل العامل الأخطر من عوامل تمكين الحزب من أقامة هيكلية الانفاق تحت الأرض التي تحاكي المدن الصاروخية في إيران، ناهيك بعملقة قدرات الحزب العسكرية بما يفوق قدرات القوى العسكرية والأمنية اللبنانية قاطبة.
ما كان من حاجة الى نفض الذاكرة عما يعرفه الجميع، لولا أن الحزب، في حربه الطالعة صعوداً وتصعيداً، ضد السلطة ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يعيد واقعياً فتح صفحة سيرته مع العهود والرؤساء ومن خلالهم مع الدولة كلاً.

كان المشهد غرائبياً وطارئاً بكل معايير الاستثناءات التي لم يشهدها لبنان الطالع من الحرب، حين اقتحم الحزب أول مجلس نواب منتخب بعد الطائف، إلى جانب قوى وأحزاب كلاسيكية أو خارجة لتوها من واقع الميليشيات المتحاربة بعدما سلمت بالطائف الذي انهى السلاح الميليشيوي، إلا لدى الحزب بمسوغ ومسمى "المقاومة " الذي شكل واجهة الوصايتين السورية والإيرانية، للإبقاء على الحزب رأس حربة شراكتهما في استباحة لبنان وتوظيفه ورقة تسليع في سوق الصفقات الإقليمية. كما كانت ذروة المشهد المتبدل في أن رمز زمن الطائف الرئيس رفيق الحريري كان المعادلة الكبرى التي جمعت كل الأضداد الإقليميين والداخليين على أساس أن الطائف الدولي اقتضى ذاك التطور التاريخي.
منذ ذلك الحين، بدأت سيرة مختلفة تمام الاختلاف بين الحزب والعهود والرؤساء لم تعد يقاس بالمعايير الطبيعية المألوفة للموالاة والمعارضة، بل بمعيارٍ حصري هو مدى الطاعة الرئاسية للحزب وليس العكس.
هكذا صارت تقاس تلك السيرة، بل ذاك المسار من عهد إلى آخر، علماً أن تفاوتاً كبيراً كان يطبع علاقة الحزب بالدولة كلاً، في كل عهد، وتبعاً لمعايير الاستجابة للترهيب حين يقتضي الأمر، والإطناب والتبجيل حين توجب التوجيهات العليا من دمشق وطهران.
بذلك ، مر عهد الياس الهرواي مروراً سلساً، ولكنه لم يكن عهد "حزب الله" بالكامل، فجاء العهد الذهبي للحزب على مطية إميل لحود، ومن ثم جنت على نفسها براقش بعملية دموية فتنوية مذهبية في 7 أيار 2008 أودت به إلى القبول بالتسوية التي جاءت بميشال سليمان.
رضخ لها قليلاً ثم انبرى إلى حرب مناكفة ومناكفة وتعطيل بعدما أقدم ميشال سليمان على إشهار إعلان بعبدا بلا هوادة. واستهوى الحزب سلاح التعطيل تكراراً إلى أن فرضت تسوية حليفه المسيحي الذي "لن يتكرر" ميشال عون.
كان يفترض أن يكون عهد جوزف عون الذي علق انتخابه لأكثر من ثلاث ساعات بقصد ملء الثغرة الشيعية سلساً أكثر، فلم يشأ الحزب إلا الانقضاض عليه، لأنه، مع نواف سلام، قالا تلك الـ"لا" لاستباحة السلاح والحرس الثوري. لعلها نهاية السيرة، ومن يدري!