الحزب المستقوي بالمواقف الأميركية أيضاً
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامبفي اثناء استقباله رئيس الجمهورية جوزف عون الشهر الفائت إنه مستعد للتحدث إلى "حزب الله" إذا طلب منه الرئيس اللبناني ذلك. حصل الأمر خلال أول لقاء يجمع الرئيسين في البيت الأبيض، علما أنه سبق للرئيس الأميركي أن أعلن في نهاية أيار الماضي فتح قناة اتصال مباشرة مع "حزب الله". وفهم لاحقا أن الأمر تم عبر السفيرة اللبنانية في واشنطن، خلال مرحلة كانت تشهد تصاعدًا في التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وانعكاساته على الجبهة اللبنانية، فيما كانت واشنطن تبحث عن وسائل لاحتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة المواجهة. وقد أعلن ترامب عبر منصة "تروث سوشيال" أنه أجرى محادثة مع "ممثلين رفيعي المستوى" من "حزب الله"، مؤكدًا أنه حصل على تعهد بوقف النار ضد إسرائيل.
في الحالتين، وفّر هذا الموقف الأميركي تقوية للحزب فيما هو في مرحلة ضعف غير مسبوقة، علما أنه يبقى رقما صعبا في المعادلة اللبنانية ولا قدرة للدولة على تجاوزه أو التعامل معه لارتباطه مباشرة بالنفوذ الإيراني. وتاليا، من الصعب قراءة استمرار استقواء الحزب على الدولة اللبنانية استنادا إلى الضمانات الإيرانية بالاستمرار في الاستثمار فيه وعدم التخلي عنه فحسب، وذلك في ضوء هذه المواقف الأميركية، جنبا إلى جنب مع الامتحان الذي تتعرض له الدولة اللبنانية لإثبات قدرتها على تقديم الضمانات اللازمة في ضبط الحزب وسلاحه من أجل انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، وهو ما يشي بأن الولايات المتحدة لا تزال تأخذ المعارضة الشرسة التي يقودها ضد الدولة اللبنانية في الاعتبار.
والحال أن ترامب، على رغم الحفاوة التي أحيط بها استقبال عون في البيت الأبيض، لم يتوانَ عن تأكيده مجددا وتكرارا أن رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع يرغب في التدخل في لبنان والقيام بشيء مع "حزب الله"، معتبرًا أنّ ذلك "ربما يكون أمرًا فعالًا". ومع أن هذه النقطة مختلفة ومتناقضة عن النقاط السابقة، إلا أنها تصبّ جميعها في خانة التقديرات الأميركية بعدم قدرة لبنان على التعامل مع ملف الحزب وسلاحه وفق ما هو مطلوب منه، أيا يكن الوهن الذي أصبح عليه. ومع أنه سرى أن الرئيس عون شرح للرئيس الأميركي محاذير ذلك وتداعياته الخطيرة، بحيث قد لا يعود الأخير إلى هذه النغمة مجددا، فإن الأذى لحق بالرئيس عون فيما استقوى الحزب على الدولة حتى في هذا الملف من خلال الدعوة الاستعلائية التي تتجاوزها للانفتاح المباشر على الرئيس السوري والتحاور معه، بغض النظر عن فاعلية ذلك وانعكاساته على الدولة السورية وما تسعى إلى تثبيته على نقيض النظام السابق.
هذه الوقائع التي لم تفضِ إلى أيّ نتيجة في ضوء خلاصات تؤكد الحسم في ملف نزع سلاحه من دون القدرة على تنفيذه وامتلاكه ورقة الرفض المطلق حول سلاحه، ضاعفت مكابرة الحزب في محاولته محاسبة الدولة اللبنانية وهي تلملم شتات البلد وتخفف أضرار ما تسبب به تهور الحزب في حربي الإسناد وهروبه إلى الأمام تفاديا لمساءلته شعبيا ورسميا.
ومعلوم أن الحزب يدرك، حتى في قيادته الحالية، أن مطالبته الدولة بالتراجع عن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل أمر غير ممكن، مغرقا نفسه أكثر في سردية خاسرة حتى في محاولة إقناع نفسه واللبنانيين بأن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة هي من أمّنت الهدوء على الجبهة الجنوبية، لا هذه المفاوضات التي يجريها لبنان مع إسرائيل برعاية أميركية. فهو لا يريد أن يكون مدينا للدولة اللبنانية، فيما يظهر أداء محاسبة ومراقبة لها لإدراكه أن استعادتها السيادة من إسرائيل بتحريرها الجنوب ديبلوماسيا ستفقده كل أوراقه وكل منطقه وليس فقط تهميش سلاحه وإنهاء أيّ مفاعيل له على هذا الصعيد.
توازيا، يواصل الاستقواء بإيران، ليس من باب مرجعيتها له فحسب بل من باب الإيمان بأن الترتيب الجديد لمضيق هرمز سيعدّ تنازلا هائلا من الولايات المتحدة واعترافاً بالواقع الجديد للمضائق على قاعدة تأكيد الموافقة على النفوذ الإيراني المتزايد فيه، وتاليا التحكم في دول الخليج. يضاف إليه الرهان الإيراني على النجاح في إضعاف عزم الولايات المتحدة على مواصلة الحرب ضدها. وهو ما يجعله يستقوي بدوره على خلفية امتلاك إيران الأوراق التي يمكن أن تحصّل مكاسب من الإدارة الأميركية، بغض النظر عما إذا كان القطار في موضوع حسم نزع سلاحه قد انطلق، فيما هو يسعى إلى منع انطلاقه استنادا إلى هذه الاقتناعات، وسيساوم كثيرا وطويلا متى توافرت الظروف لحسمه.
لذلك، يبدو أن المزيد من المكاسب التكتية مبنيّ أيضا على الرهان أن إسرائيل لن تقدم الكثير للبنان قبل انتخاباتها المقبلة، وهذا يطيل في عمره ويقدم له الذرائع لمعارضة مسار الدولة اللبنانية وإضعافها، بما يزيد التعقيدات أمام الدولة وفرصها للنجاح في المدى المنظور على الأقل.
rosannabm @hotmail.com