الحذر من الظل: سياسات الدول الصغيرة في مواجهة القوى العظمى

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

*الدكتور طلال الخزرجي

 

 

في عالم العلاقات الدولية، حيث يظل قانون القوة هو الحقيقة الأكثر إزعاجاً، تواجه الدول الصغيرة المجاورة للإمبراطوريات والقوى العظمى تحدياً وجودياً: كيف تبقى على قيد الحياة وتحافظ على سيادتها تحت ظل جار أقوى بمئات المرات؟ من سهول فنلندا إلى شواطئ سنغافورة، ومن سهوب منغوليا إلى صحراء قطر، طورت الدول الصغيرة استراتيجيات ذكية للتعامل مع جيرانها الأقوياء، مدفوعة بإحساس عميق بالهشاشة.

 

 

الجذر المشترك: ثقافة الضعف

 

ما يوحد هذه التجارب المتباعدة هو وعي استراتيجي مشترك بالهشاشة. سنغافورة، الدولة المدينة التي لا يزيد عدد سكانها على ستة ملايين نسمة، أدركت أن ضعفها متجذر في حجمها الضئيل، ومواردها المحدودة، وموقعها الجيوسياسي. هذا الإحساس بالضعف ليس مجرد عاطفة، بل أساس التخطيط الاستراتيجي. رئيس وزرائها الأسبق، لي كوان يو، صاغ سياسة خارجية مبتكرة تقوم على التحوط، والحفاظ على مسافات متساوية مع القوى الكبرى، وهو ما يعكس "ثقافة استراتيجية من الضعف".

 

منغوليا، دولة يبلغ عدد سكانها 3.3 مليون نسمة فقط محصورة بين عملاقين. ينبع هذا الإحساس بالضعف من الجغرافيا ذاتها. وزيرة خارجيتها، باتسيتسيغ باتمونخ، تؤكد أن "الحفاظ على علاقات ودية مع روسيا والصين هي الأولوية القصوى"، ويجب أن تظل هذه العلاقات متوازنة مع بعضها البعض ومع "الجيران الثالثين". هذا التوازن هو مسألة بقاء وليس خياراً.

 

في فنلندا، كانت الهزيمة في حرب الشتاء (1939-1940) والتنازل عن 12% من أراضيها لصالح الاتحاد السوفياتي الصدمة التي أسست لثقافة سياسية جديدة قائمة على الاسترضاء. في قطر، أزمة الحصار (2017-2021) كانت التذكير الصارخ بأن التوسع المفرط في النفوذ يمكن أن يأتي بنتائج عكسية، مما دفع الدوحة إلى تعزيز دورها كوسيط محايد.

 

أربع استراتيجيات، أربعة مسارات للبقاء

 

فنلندا: الاسترضاء القسري (الفنلندة)

 

خلال الحرب الباردة، طورت فنلندا استراتيجية فريدة تحت قيادة الرئيسين باسيكيفي وككونن، عُرفت باسم "خط باسيكيفي-ككونن"، وصفتها وسائل الإعلام الغربية بمصطلح "الفنلندة" (Finlandization)، وهو مصطلح يعتبر مهيناً. تقوم هذه الاستراتيجية على فكرة أن تتجنب الدولة الصغيرة تحدي جارها القوي في السياسة الخارجية مقابل الحفاظ على استقلالها الداخلي. كما قال الرئيس ككونن: "المهمة الأساسية للسياسة الخارجية الفنلندية هي جعل وجود فنلندا يتوافق مع مصالح من يسيطرون على جيوسياسيتها".

 

عملياً، عنى هذا التخلي عن خطة مارشال، وفرض رقابة ذاتية على الإعلام والمثقفين، وتجنب أي نقد للاتحاد السوفييتي. في المقابل، حافظت فنلندا على ديمقراطيتها واقتصاد السوق. لكن هذا النموذج انهار نهائياً مع الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، حيث تخلت فنلندا عن حيادها التاريخي وانضمت إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أبريل 2023. وزيرة الخارجية الفنلندية، إلينا فالتونن، ترفض اليوم فرض نموذج "الفنلندة" على أوكرانيا، قائلة إن "إجبار أوكرانيا على الحياد لن يحقق حلاً سلمياً" وأن موسكو "لا يمكن الوثوق بها" للالتزام بأي اتفاق. وقد يطرح سؤال في المستقبل القريب إلى قادة فنلندا: هل كان هذا القرار خطأ استراتيجياً؟

 

سنغافورة: التحوط المبدئي

 

على الجانب الآخر من العالم، طورت سنغافورة استراتيجية أكثر ديناميكية. منذ استقلالها عام 1965، اتبعت "استراتيجية تحوط" في تفاعلها مع القوى الكبرى، تبناها لي كوان يو وأصبحت جزءاً من الحمض النووي للسياسة الخارجية السنغافورية. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تجنب الاختيار بين القوى المتنافسة، وتعظيم المكاسب من التعاون مع الجميع، وتجنب المواجهة. الباحثون يميزون بين شكلين من التحوط: التحوط الصلب من خلال التعاون الأمني المؤسسي مع الولايات المتحدة، والتحوط الناعم من خلال الاندماج الاقتصادي مع الصين والدبلوماسية متعددة الأطراف عبر منصة الآسيان.

 

ما يميز سنغافورة هو تحولها إلى "التحوط المبدئي"، حيث تلعب دور الوسيط بين القوى العظمى نفسها. من خلال لعب دور الوسيط، عرضت سنغافورة صورة من الحياد والبراغماتية والعقلانية، مما يخلق مساحة قصوى للدبلوماسية. هذا ما فعله رئيس الوزراء الجديد لورانس وونغ عندما أكد على استمرار سياسة "دبلوماسية التحوط" والحياد في العلاقات الدولية.

 

قطر: القوة الناعمة كدرع

 

أحدث دولة في هذا المجال هي قطر، التي حوّلت صغر حجمها إلى ميزة دبلوماسية. جعلت الدوحة من الوساطة "ركيزة أساسية" لسياستها الخارجية، كما ورد في دستورها. تعتمد قطر على أربعة مبادئ: الحياد، والمصداقية، والشمولية، والمثابرة الدبلوماسية. لقد توسطت في صراعات من دارفور إلى اليمن، ومن أفغانستان إلى فنزويلا، وأبرزها وساطتها بين حركة حماس وإسرائيل.

 

هذه الاستراتيجية حوّلت قطر من "دولة منبوذة إقليمياً إلى لاعب أساسي على الساحة العالمية". لكنها ليست خالية من التكاليف. ففي عام 2024، علقت قطر مؤقتاً جهود الوساطة بين إسرائيل وحماس بسبب الضغوط. والجدير بالذكر أن رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، كشف أن علاقة قطر بحماس "بدأت منذ أكثر من عقد بطلب من الولايات المتحدة" لتسهيل قنوات الوساطة. هذا يكشف أن قطر تتحرك غالباً بغطاء ضمني من القوى العظمى، لكنها ترفض أن تكون أداة بيد أحدها.
منغوليا: الجيران الثالثون

 

ربما الحالة الأكثر تعقيداً هي منغوليا. فهي محصورة بين روسيا والصين، وتعتمد عليهما في 67% من وارداتها. منذ نهاية الحرب الباردة، اتبعت منغوليا "سياسة الجار الثالث"، التي تهدف إلى تقييد اعتمادها على الصين وروسيا من خلال التواصل المباشر مع دول مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة.

 

اختبار هذه السياسة جاء مع زيارة بوتين لمنغوليا في سبتمبر 2024، وهي أول زيارة لرئيس روسي لبلد عضو في المحكمة الجنائية الدولية منذ إصدار مذكرة اعتقاله. منغوليا، رغم التزاماتها كدولة موقعة على نظام روما الأساسي، استقبلت بوتين، مما أثار انتقادات غربية. لكن بالنسبة لأولان باتور، كان القرار "صحيحاً لمصالح الأمن القومي". وزيرة الخارجية المنغولية دافعت عن هذا القرار، مؤكدة أن "الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجيران هو الأولوية القصوى"، وأن زيارات القادة الروس للمناسبات التاريخية هي "تقاليد طويلة الأمد". هذا يعكس الحقيقة القاسية: بالنسبة لمنغوليا، الجغرافيا أقوى من القانون الدولي.

 

مشهد من قطر (أرشيفية).

 

العلاقات المتوازنة: شبكة الأمان الصامتة

 

هناك عامل جوهري لم تتحدث عنه الكثير من التحليلات، لكنه حاضر في كل حالة من الحالات السابقة: الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات الاقتصادية والسياسية والدولية المحترمة والمتوازنة مع الدول الأخرى، سواء كانت متوسطة أو صغيرة في المجال الإقليمي نفسه.

 

لماذا هذا العامل مهم؟ لأن الدول الصغيرة تدرك أنها لن تستطيع مجاراة القوى العظمى وحدها. لذلك، تبني "شبكة أمان" من العلاقات المتوازنة مع دول في حجمها أو أكبر قليلاً. هذه الشبكة تؤدي ثلاث وظائف حيوية:

 

أولاً: تخلق بدائل للقوى العظمى. منغوليا عندما تتحدث عن "الجيران الثالثين" (الهند، اليابان، كوريا الجنوبية، الولايات المتحدة) – إنها في الحقيقة تبني شبكة من العلاقات مع دول متوسطة وكبرى بعيدة جغرافيا لموازنة الجيران العملاقين (روسيا والصين). بدون هذه الشبكة، تصبح منغوليا رهينة بالكامل.

 

ثانياً: تمنح شرعية دولية. قطر وحدها لم تكن لتستطيع مواجهة الضغوط الإقليمية خلال أزمة الحصار التي مرت بها. لكن علاقاتها المتوازنة مع قوى إقليمية ودولية متعددة جعلت محاولة عزل تفشل. هذه العلاقات هي التي تقول للعالم: "قطر ليست معزولة".

 

ثالثاً: تخلق مجالاً للدبلوماسية الجماعية. سنغافورة استثمرت في منصة "الآسيان" (رابطة دول جنوب شرق آسيا) – وهي تجمع لدول صغيرة ومتوسطة مجتمعة. داخل هذا الإطار، تستطيع سنغافورة أن تقول "لا" للصين أو أمريكا بصوت مجموعة، ليس بصوت دولة منفردة. هذا هو "الحد الأدنى المحترم" من العلاقات الذي يحول الضعف الفردي إلى قوة جماعية.

 

حتى فنلندا، قبل انضمامها إلى الناتو، كانت تحافظ على علاقات متوازنة مع دول الشمال الأوروبي (السويد، النرويج، الدنمارك) ومع دول السوق الأوروبية المشتركة، مما أبقى لها نوافذ اقتصادية وسياسية مفتوحة بعيداً عن الاتحاد السوفييتي.
هذا العامل – العلاقات المتوازنة مع النظراء الإقليميين – هو "الغراء" الذي يمسك الاستراتيجيات الأربع معاً. بدونه، تتحول الدولة الصغيرة إلى جزيرة معزولة يصعب عليها المقاومة أو حتى المناورة.

 

الدروس المستفادة: أين تقع الخطوط الحمراء؟

 

على الرغم من تنوع الاستراتيجيات، تتقارب هذه الدول حول ثلاث خطوط حمراء واضحة، إضافة إلى العامل الخامس المتعلق بالعلاقات المتوازنة:

 

السيادة كخط أحمر: بالنسبة لسنغافورة، فإن "قدرة الدولة على قول 'لا' للقوى الكبرى" هي جوهر الاستقلال. بالنسبة لفنلندا، كان الحفاظ على الديمقراطية الداخلية هو الثمن الذي دفعته مقابل الاسترضاء الخارجي. بالنسبة لمنغوليا، البقاء دولة مستقلة ذات نظام ديمقراطي هو الإنجاز الأكبر. أما بالنسبة لقطر، فالوساطة المستقلة التي لا تخدم أجندة قوة عظمى واحدة هي خطها الأحمر.

 

الهوية الوطنية: أي تدخل يهدد الوحدة الوطنية أو القيم الأساسية للمجتمع يعتبر تجاوزاً للخط الأحمر. سنغافورة تدافع بشراسة عن نموذجها متعدد الأعراق والأديان، ومنغوليا عن تقاليدها البدوية وديمقراطيتها الفتية، وفنلندا عن نموذجها الاجتماعي الديمقراطي، وقطر عن هويتها العربية والإسلامية المعاصرة.

 

الأمن القومي: نشر قواعد عسكرية معادية أو أسلحة فتاكة على حدودها هو خط أحمر مطلق. فنلندا انضمت إلى الناتو لضمان أمنها، ومنغوليا ترفض وجود قواعد أجنبية على أراضيها، وسنغافورة تطور قدراتها الدفاعية باستمرار مع الحفاظ على وجود عسكري أمريكي كرادع.

 

شبكة العلاقات المتوازنة: الخط الأحمر الرابع – والأقل وضوحاً – هو عدم السماح لأي قوة عظمى بقطع علاقات الدولة الصغيرة عن محيطها الإقليمي. أزمة الحصار التي مرت بها قطر كانت محاولة لعزل الدوحة عن جيرانها. فشلت لأن قطر كانت قد بنت علاقات متوازنة مع قوى إقليمية ودولية متعددة، ومع أطراف أخرى خارج المنطقة. العبرة: الدولة الصغيرة التي تفقد "حدها الأدنى المحترم" من العلاقات مع الدول المتوسطة والصغيرة في محيطها، تصبح فريسة سهلة للظل الكبير.

 

في النهاية، تبقى الدول الصغيرة في حالة تأهب دائم، تتأرجح بين الاسترضاء والتحوط، بين الحياد والانحياز، بين المصالح الجيوسياسية والمبادئ الأخلاقية. نجاحها لا يقاس بحجم جيشها، بل بقدرتها على تحويل الضعف إلى قوة، وعلى جعل القوى العظمى ترى في بقائها واستقرارها مصلحة مشتركة.

 

إن بناء "الحد الأدنى المحترم" من العلاقات المتوازنة مع الدول الأخرى – سواء كانت متوسطة أو صغيرة – ليس ترفاً دبلوماسياً، بل هو شريان حياة. إنها شبكة الأمان التي تمنع الظل من أن يتحول إلى قبضة خانقة.

 

في عالم يتجه بسرعة نحو مزيد من التنافس بين القوى العظمى، تظل تجارب فنلندا وسنغافورة وقطر ومنغوليا مختبرات حية للبراعة السياسية، تقدم دروساً قيّمة للدول الصغيرة حول العالم. كما قال وزير الدفاع السنغافوري: "لسنا في حالة حرب، ولكننا لسنا في سلام أيضاً". هذه هي حالة الدول الصغيرة في ظل القوى العظمى: استعداد دائم، ومراقبة مستمرة، وأمل في أن الذكاء قد ينتصر على القوة، وأن شبكة العلاقات المتوازنة قد تكون الدرع الأخير قبل أن يلتهم الظل فريسته.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية