الحافظي يحلل تطور الإرهاب من التجنيد الكلاسيكي إلى الاستقطاب الشبكي
يبحث كتاب “دينامية مكافحة الإرهاب.. في مواجهة امتداداته التنظيمية والجيوأمنية” للكاتب إحسان الحافظي أهم الامتدادات التنظيمية والتحولات الجيوأمنية التي عرفتها الظاهرة في إطار تعاطي المملكة مع تداعياتها المحلية والإقليمية.
ويدرس الأستاذ الباحث في الدراسات الأمنية، ضمن هذا الكتاب الصادر عن دار النشر “مكتبة دار السلام” بالدار البيضاء، المحددات المولدة لهذا التهديد الأمني في الدين والسياسة والجغرافيا والتقنية وإستراتيجيات مواجهة الإرهاب بالقانون والقضاء وعالم الاستخبارات وإعادة بناء قيم مناهضة للتطرف والإدماج.
ويعرض الكتاب تقييما تجربة مكافحة الإرهاب بالمغرب على ضوء تحولات الظاهرة من التجنيد الجهادي الكلاسيكي إلى الاستقطاب الشبكي، حيث الكثير من الترابطات الوظيفية بين الإرهاب والديناميات المولدة له لم تعد قائمة ومؤثرة بالطريقة نفسها؛ فالتطرف ليس حكرا على دين دون غيره، وأزمات السياسة وغياب الديمقراطية ليست دائما محفزة على الخيارات العنيفة.
والعولمة التي أريد لها أن تكون وسيلة لإدارة العالم، بما تحمله من أبعاد ثقافية وهوياتية محفزة على الصراع، خدمت المشاريع المتطرفة.
يُبرز الكاتب كيف أن الكثير من السرديات حول الإرهاب لم تصمد طويلا بفعل تطور الظاهرة الإرهابية نفسها؛ ما قلص خيار المواجهة الأمنية في عقيدتين فقط، حسب الكاتب، إما “تدريب المجتمع على الصمود” أو ” تقوية المقاربة الأمنية الاستباقية”. الخيار الأول يقوم على فكرة بناء القدرة الوطنية للمواجهة عبر تعبئة المجتمع سلوكيا لمواجهة حدوث الهجمات الإرهابية.
أما الخيار الثاني فهو الأكثر تماسكا وتعقيدا باعتباره يركز على محاربة الإرهاب عبر استباق وقوعه بواسطة أساليب الاستخبار وجمع المعلومات عن الجماعات المتطرفة وتفكيك الخلايا.
من الملاحظات التي توقف عندها الكاتب إحسان الحافظي في هذا العمل أن تجارب مواجهة الإرهاب أبانت قدرة التنظيمات المتطرفة على الانخراط في دينامية متوالية وقابلة للتكيف مع محيطها، وكذا بناء خطاب قادر على الاستقطاب والتجنيد سرعان ما يتحول إلى بنية للقتال.
ينتقل الباحث إلى دراسة مآلات البؤر التقليدية أين نجحت الجماعات الإرهابية في بناء خطاب ديني طائفي لـ”تنظيم الدولة الإسلامية”؛ فيما لم يكن الأمر كذلك في منطقة الساحل الإفريقي، حيث استفادت من شبكة العلاقات الاجتماعية وجعلتها حاضنة للجماعات المتطرفة دون الحاجة إلى خطاب ديني قوي. من خلال هذين النموذجين، تظهر قدرة الجماعات الإرهابية على التكيف مع الواقع واستعدادها للتخلص من الخطاب الديني نفسه إذا ما تحول إلى عائق لنشاط هذه الجماعات، فهي بذلك تراهن على عوامل التطرف، الاجتماعية والسياسية والثقافية، وتحولها إلى محفزات للإرهاب.
يشتغل كتاب “دينامية مكافحة الإرهاب.. في مواجهة امتداداته التنظيمية والجيوأمنية” على دور البيئة السيريانية كعامل مساعد على تكوين الهوية الرقمية للجماعات المتطرفة. وقد استفادت جماعات التطرف العنيف بدورها من فرص الاستقطاب والتجنيد والتخاطب التي توفرها هذه البيئة، فظهرت مفاهيم جديدة؛ من قبيل: “الجهاد الإليكتروني” و”التطرف أولاين”، إذ شجعت هذه البنيات السيبرانية على استحداث ما يسمى “الذئاب المنفردة” فتخلصت بذلك الجماعات الإرهابية من عبء الاختراق الأمني الذي كانت تعانيه التنظيمات العنقودية والشبكية.
بالمقابل، يبرز الكاتب كيف أن الجماعات المتطرفة سعت إلى “أسلمة التطرف” مستغلة انتشار بعض مظاهر وخطابات “التطرف الإسلامي”، واستفادت من التقدم التقني والتكنولوجي الذي خلق لها منصات تجنيد واستقطاب جديدة لم تكن متاحة من قبل. وبذلك، حافظت على استمراريتها وقدرتها على الحشد. بالنتيجة، أحدثت التقنية تطويرا على مستوى التفكير الاستراتيجي للتنظيمات الإرهابية؛ فتحولت من التمدد المجالي إلى التوسع الرقمي وتكثيف العمل من داخل المنصات، ضمن ما نسميه “عولمة” التهديدات الأمنية الناشئة.
يقدم الكتاب عناصر مواجهة الديناميات المولدة للإرهاب على ضوء التجربة المغربية، باعتبارها واحدة من أفضل التجارب في مجال تعزيز إستراتيجيات المواجهة؛ وذلك بفضل سياسة أمنية تقوم على الوقاية والاستباق، من خلال مباشرة عمليات تفكيك الخلايا ورصد الأنشطة السيبرانية للجماعات المتطرفة وتعزيز التعاون الأمني الدولي. كما استندت هذه الخطة على تشغيل الذاكرة الاستخباراتية.
يخلص الكاتب إلى ثلاث نتائج على ضوء تقييم التجربة المغربية في مجال مكافحة الإرهاب: أولا، تراجع نشاط الخلايا الإرهابية خلال السنوات العشر الأخيرة، ثم تقلص عدد الشبكات التي تم تفكيكها، ثم أخيرا فشل محاولات إعلان ولاية ترابية تنظيمية للجماعات المتطرفة داخل للمملكة.
The post الحافظي يحلل تطور الإرهاب من التجنيد الكلاسيكي إلى الاستقطاب الشبكي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.