الجينوم الإماراتي... في مواجهة الأمراض الوراثية
تحتل الإمارات موقعاً ريادياً في مجال أبحاث الجينوم في المنطقة. وهي أطلقت مبادرات عديدة في هذا المجال على رأسها برنامج الجينوم الإماراتي الذي يهدف إلى تحليل التركيبة الجينية للمواطنين بهدف تطوير الطب الدقيق والوقاية من الأمراض.
كما أنشأت " هيئة دبي الصحية" وجامعة محمد بن راشد أول مرجع جينومي عربي شامل في إطار المبادرات الهادفة إلى تعزيز سبل الوقاية من الامراض الوراثية والرعاية الصحية.
نحو مواجهة فاعلة للأمراض الوراثية
في عام 2025، أطلقت "هيئة دبي الصحية" عبر جامعة محمد بن راشد للطب والعلوم الصحية أول مرجع جينومي عربي شامل نشر في مجلة Nature Communications ويوفر فهماً دقيقاً للتركيبة الجينية في 9 ملايين متغير جيني جديد.
ويعتبر ذلك إنجازاً استثنائياً على صعيد أبحاث علم الجينوم في المنطقة والعالم، وهو أداة بحثية متطورة توفر فهماً أعمق للجينات العربية. كما يوفر أسساً علمية راسخة لتعزيز مستويات الطب الدقيق والرعاية الصحية الموجهة إلى الشعوب العربية، ولدعم استراتيجية الجينوم الوطنية لدولة الإمارات التي تهدف إلى بناء منظومة صحية مستدامة تعتمد على الطب الشخصي والدقيق عبر وضع الخريطة الجينية للمواطنين واستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليلها.
وتسعى المبادرة لتعزيز الوقاية والحد من الأمراض الوراثية والمزمنة وتطور الرعاية الصحية للأجيال المقبلة. ومن ضمن هذا المشروع تم تطوير أداةٍ معلوماتية حيوية تسمى PAnScan للكشف عن التغيرات الجينية وتضاعف الجينات الخاصة بالعرب.
وكان مجلس الإمارات للجينوم قد أطلق برنامجاً يمتد 10سنوات ويهدف إلى تطوير خدمات الرعاية الصحية والوصول إلى علاج متخصص لكل مريض من خلال استخدام العلوم الجينومية والتقنيات الحديثة. ويهدف برنامج الجينوم الإماراتي إلى جمع مليون عينة جينية من المواطنين في كل أنحاء الدولة وتحليلها، ويعمل على التنسيق والتعاون مع مختلف الجهات والمؤسسات الطبية والبحثية الإماراتية لتحقيق الرؤية الوطنية لبناء منظومةٍ متقدمة لقطاع الرعاية الصحية.
وفي نهاية عام 2025 كان البرنامج قد أنجز أكثر من نسبة 91 في المئة من الهدف الوطني، ولم يتبق إلا أقل من 90 ألف عينة لإكمال المبادرة التي تعدّ أكبر مبادرة جينوم سكانية بشرية في العالم، من حيث حجم العينة والتقنيات المستخدمة لتطوير علاجات شخصية جديدة مخصصة للأمراض النادرة والمزمنة لتحسين جودة الرعاية الصحية في المستقبل وبناء مجتمع إماراتي أكثر صحة.
وأحدث البرنامج نقلة نوعية في فحوص الأمراض الوراثية بعد أن كان عدد فحوص الأمراض الوراثية قبل الزواج محدوداً ليصبح من الممكن كشف ما لا يقل عن 840 مرضاً وراثياً ومزمناً.
ولدى اكتشاف أي خللٍ جيني يمكن توجيه الشخص المعني إلى مسارٍ علاجي أو وقائي قبل الإنجاب حين يكون هناك خطر وجود مرض وراثي.
وفيما تعتبر هذه الفحوص مكلفة للغاية في مختلف أنحاء العالم تتحملها الدولة في الإمارات بالكامل للمشاركين.
ويشمل البرنامج أيضاً فحص حديثي الولادة للكشف المبكر عن أي خلل جيني قد يظهر مع نمو الطفل ما يسمح بوضع خطط علاجية أو وقائية منذ الأيام الأولى للحياة. كما يدعم البرنامج الفحص الجيني السريري الذي يساعد الأطباء على التشخيص الدقيق للأمراض الوراثية والمزمنة وتحديد العلاجات وخطط الوقاية المناسبة.
برامج علاجية متطورة
أما المرجع الجينومي العربي الشامل فيتضمن مبادرات الطب الدقيق على الصعيدين الوطنيّ والإقليمي، من خلال تحديد المؤشرات الحيوية وتطوير برامج علاجيةٍ مصممة وفقاً للتركيب الجيني الخاص بالسكان، ويشمل مجموعة من الاكتشافات المهمة أبرزها جين مكرر وجد لدى المشاركين العرب بينما لم يسجل وجوده في المراجع الجينومية العالمية المعتمدة، وهو جين TAF11L5 الذي قد يلعب دوراً مهماً في تنظيم الجينات الأخرى ويساهم في فهم أعمق للمخاطر الصحية واستجابة الأفراد للعلاجات.
وقد أعدّ المرجع باستخدام تسلسل الحمض النووي لأشخاص من خلفيات عربية متنوعة في دولة الإمارات، وتم تطويره في مركز علم الجينوم التطبيقي والانتقالي في جامعة بن راشد للطب والعلوم الصحية، وقد كشف عن أكثر من 110 ملايين زوج قاعدي من الحمض النووي وتسعة ملايين متغير جيني.
وفي عام 2019، كانت دائرة الصحة في أبو ظبي أعلنت عن إطلاق برنامج الجينوم الذي يهدف إلى استخدام البيانات الجينية الوراثية للمواطنين لتحسين الصحة العامة. وكان هذا البرنامج الأكثر شمولاً في العالم ويسمح بتزويد المواطنين بجينوم مرجعي خاص بهم كحجر أساسٍ ودمج البيانات الجينية بقاعدة البيانات الخاصة بإدارة الرعاية الصحية.
وكان الوصول إلى إدراك التنوع الوراثي بين السكان في الدول العربية بشكل خاص يشكل تحدياً بسبب عدم توافر جينوماتٍ مرجعية عالية الجودة قبل سنوات من اليوم، فيما ساهم البرنامج بإثراء البيانات عبر إنتاج الجينات المرجعية المحددة ودفع الاكتشافات العلمية على نطاق واسع. أما اليوم، فأصبحت دولة الإمارات تمتلك واحدة من أكبر قواعد البيانات الجينية العالية الجودة في العالم، ما يساهم في تحقيق اكتشافات علمية كبرى.