الجيش اللبناني... قصة صمود تُروَى في زمن الانهيار المالي!
كان عام 2019 أكثر من مفصلي بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية.
عامها، تحدّى الجيش اللبناني نفسه أولاً، في ظل ظروف اجتماعية – مالية أكثر من صعبة.
دراماتيكياً، توالت الأزمات: انهارت قيمة الليرة اللبنانية بأكثر من 95%، تراجعت رواتب العسكريين إلى بضعة دولارات شهرياً. صمد الجيش بأكثر بكثير من "اللحم الحي" حتى بات الصمود من أبرز الظواهر التي طبعت تاريخ تلك المؤسسة العسكرية الوطنية اللبنانية.
وسط كل تلك التحديات، بقي الجيش متماسكاً ولم يشهد انشقاقات أو انهياراً مؤسسياً، رغم تعرضه لضغوط غير مسبوقة، بدءاً من تدهور قيمة رواتب العسكريين مروراً بارتفاع معدلات التضخم، وصولاً إلى صعوبة تأمين المحروقات والذخائر وقطع الغيار وتراجع موازنات الدولة.

كيف صمدت تلك المؤسسة؟
ربما هي مجموعة عوامل متداخلة ساهمت أولاً في رفع معنويات الجيش، ثم في مواجهة الضغوط. وهي عوامل مجتمعة، خارجية وداخلية.
وفي مقدّمة العوامل الخارجية يأتي الدعم الدولي المباشر. لا شكّ في أن شخصية قائد الجيش حينها العماد جوزف عون ساهمت في رفع منسوب هذا الدعم.
شكلّ الدعم الخارجي العامل الأكثر حسماً في الصمود، إذ تعززت المساعدات الخارجية وتوالت، خصوصاً من الولايات المتحدة وفرنسا وقطر.
أميركياً، استمرت الولايات المتحدة في تقديم مساعدات عسكرية وتجهيزات وتدريب، إلى جانب دعم لوجستي. ولم تبخل أيضاً دول أوروبية مثل فرنسا، كندا وبريطانيا، في تنويع دعمها المستمر للجيش.
أما قطر فقد كانت من أبرز الدول العربية التي خصصت تمويلاً محدداً للجيش اللبناني. تحديداً، منذ عام 2022، موّلت قطر منحة شهرية للعسكريين، ثم جرى تمديدها أكثر من مرة.
رسمياً، بلغت المساهمة القطرية المالية 60 مليون دولار لدعم الجيش اللبناني ومساندة رواتب العسكريين في ظل الأزمة الاقتصادية، كما قدّمت مساعدات مالية متتالية عبر وزارة الخارجية القطرية لتخفيف الأعباء المعيشية عن أفراد المؤسسة العسكرية.
على صعيد الأمم المتحدة، كان الدعم أساساً يأتي عبر بعض البرامج المخصصة للقوة العاملة في الجنوب، وكان ينتقل جزء من هذا الدعم من تزويد الجيش بالمعدات إلى تمويل حاجاته التشغيلية.
هكذا، حافظ الدعم الدولي المباشر على العنصر البشري للمؤسسة العسكرية وعلى استمرار التدريب والتطوير، والأهم على استمرار الثقة الخارجية بالجيش، كإحدى أبرز المؤسسات السيادية.
تماسك وقيادة
كانت تلك الأعوام صعبة على الجيش، بسبب إرهاق كاهله بتحديات تمسّ لقمة العيش، بل فرضت عليه أكثر من مواجهة. كانت البلاد تعيش "حراكاً شعبياً" أشبه بثورة متنقلّة، وكانت التحديات الأمنية وضبط الشارع تضاعف من ضرورة قدرات الجيش على الصمود، أولاً من دون الانزلاق إلى أي توترات في الشارع قد تمسّ هيبته، وثانياً إلى أيّ تصدّع داخلي يمسّ وحدته.
... وصمد. في موازاة الدعم الخارجي. كانت "بعض الترقيعات" الداخلية تسعفه من الحين إلى الآخر، لكنها بقيت دون المستوى الحقيقي لحجم الأزمة التي يواجهها، إذ ظهرت آثار الأزمة بوضوح، من خلال انخفاض القدرة الشرائية لأفراد المؤسسة العسكرية، حتى من ذوي الدرجات العالية، وتراجعت ساعات التدريب في بعض الفترات بسبب نقص المحروقات، حتى إن بعض المعدات واجهت صعوبة في الصيانة.
وأحياناً، كانت تقدّم بعض الاستقالات من جانب عدد محدود من أفراد المؤسسة العسكرية، كما ظهرت بعض طلبات التسريح المبكر، لكنها لم تصل إلى حالات عامة أو حد اعتبارها "موجة عارمة" داخل المؤسسة، فبقيت في إطار محدود ومنضبط.
لذلك، يعتبر العامل المتمثل بتماسك القيادة والانضباط الداخلي من أبرز العوامل الداخلية التي ساعدت على صمود الجيش.
نجح الاخير في الحفاظ على تنفيذ مهماته الأساسية، وباتت له قصة صمود تروى من زمن الانهيار، على الرغم من أن الميزان غير متكافئ. لقد كانت التحديات أثقل بكثير من مقوّمات عيشه!