"الجهوية" في عهد الملك محمد السادس .. مسار إصلاحي وتطلعات متنامية

تحل الذكرى السابعة والعشرون لعيد العرش، وتختار نخبة سياسية وأكاديمية وحقوقية لفت الانتباه إلى مسار الإصلاح الترابي الذي واكب عهد الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش خلفاً للملك الراحل الحسن الثاني. فمنذ سنة 2000، حين أُطلق الحوار الوطني حول إعداد التراب الوطني برسالة ملكية، بدأ يتبلور تدريجياً تصورٌ جديدٌ للعلاقة بين المركز والجهات، قوامه القرب والالتقائية والعدالة المجالية.

هذا المسار، وفق قراءات قدمها متخصصون لجريدة هسبريس الإلكترونية، تُوّج بإقرار الجهوية المتقدمة خياراً دستورياً صريحاً في دستور 2011، معتبرين أن هذا الورش مر بمحطات متعاقبة: من التقارير المحلية والجهوية والوطنية لإعداد التراب، إلى إحداث اللجنة الاستشارية للجهوية ومراجعة التقسيم الجهوي من 16 إلى 12 جهة، مروراً بالميثاق الوطني للاتمركز الإداري، وصولاً إلى الجيل الأخير من هذا الإصلاح المتمثل في البرامج الترابية المندمجة الجديدة.

هذا الجيل الجديد من برامج التنمية الذي دعا إليه الملك في خطاب العرش لسنة 2025 يرتكز، وفق النطق الملكي، “على تثمين الخصوصيات المحلية، وتكريس الجهوية المتقدمة، ومبدأ التكامل والتضامن بين المجالات الترابية”؛ وهو ما منح مكانةً أكبر للمواطن في تتبع البرامج التنموية وتقييمها، ولممثلي الدولة على المستوى المحلي في تسريع وتيرة الإنجاز.

“حكومة مصغّرة”

قال رشيد لبكر، رئيس شعبة القانون العام أستاذ القانون الإداري وعلم السياسة بكلية الحقوق في جامعة شعيب الدكالي بالجديدة، إن المسألة الترابية شكّلت منذ السنوات الأولى لحكم الملك محمد السادس حيزاً مهماً من الاهتمامات الملكية، مستحضراً في هذا الصدد الحوار الوطني حول إعداد التراب الوطني الذي انطلق سنة 2000 برسالة ملكية واستمر قرابة سنة كاملة، ومعتبراً إياه “تجربة رائدة ومختبراً عملياً لفهم الواقع الترابي المغربي”.

وأضاف لبكر، في تصريح لهسبريس، أن هذا الحوار أفرز زهاء ألف تقرير محلي، تُوّجت بـ 16 تقريراً جهوياً، ثم بتقرير وطني بلور التصميم الوطني لإعداد التراب، مشيراً إلى أن مشروع الميثاق الوطني لإعداد التراب، رغم إنجاز مسودته، لم يجد طريقه بعد إلى مساره التشريعي، ومسجلاً أن هذا الحوار أفرز قاموساً لغوياً جديداً في تدبير الشأن الترابي، من قبيل الالتقائية والتشاور والاندماجية والمتروبول الحضري، وأن هذا الوعي الترابي أصبح حاضراً بشكل ثابت في الخطب الملكية.

واستحضر المتحدث كذلك مراجعة الميثاق الجماعي لسنة 1976، وإحداث المجلس الجماعي بدل اللجنة الحضرية في تدبير المدن الكبرى، إضافة إلى الإشكالات المرتبطة بالماء والبيئة والساحل والجبال والمناطق الصحراوية والواحات، موردا أن دستور 2011 رسّخ هذا التوجه الاستراتيجي عبر الرفع من مكانة الجهة في الهندسة الدستورية، وتكريس مفهوم العدالة المجالية.

وشدد الأكاديمي ذاته على أن الهدف الحقيقي لإعداد التراب الوطني في عهد الملك محمد السادس هو تجاوز ثنائية “المغرب النافع والمغرب غير النافع” الموروثة عن الاستعمار، والنظر إلى كل مكونات التراب الوطني باعتبارها تراباً نافعاً بمجمله، عبر البحث عن مؤهلات كل جهة وخصوصياتها.

واعتبر لبكر أن الجهوية هي “المرادف العملي والتقني” لسياسة إعداد التراب الوطني، مستحضراً إحداث اللجنة الاستشارية للجهوية التي أفضت إلى مراجعة القانون المنظم للجهات وإعادة النظر في التقسيم الجهوي، من 16 إلى 12 جهة، بحثاً عن الاندماجية والالتقائية والفعالية، ومضيفاً أن هذه المكانة التي باتت تحظى بها الجهوية تعكس قناعة ملكية بأنها “المدخل الأساسي لتحقيق التنمية المنشودة”، وأن دور المركز ينبغي أن يقتصر على التوجيه والتقويم، فيما ينطلق العمل الفعلي من الجهات.

وربط الباحث نفسه بين الجهوية واللاتمركز الإداري بعلاقة “الجسد بالروح”، مبرزا أن الميثاق الوطني للاتمركز الإداري يحمل معطيات كفيلة بمنح الجهات الفعالية المنشودة، كما أقر بأن الجهوية تعاني من فجوة بين النص والتطبيق، مستحضراً تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2023 حول معوقات الجهوية، الذي يعتبره مرجعاً أساسياً لفهم هذه المعيقات.

ورصد المتحدث في هذا الإطار ضعف تفعيل الاختصاصات المنقولة والمشتركة، واستمرار حضور المركزية في مصادقة التصاميم الجهوية، إضافة إلى إشكالية التمويل التي تجعل بعض الجهات معتمدة كلياً على الاستثمار العمومي، بخلاف مبدأ الجهة القادرة على خلق مواردها الذاتية؛ كما دعا إلى منح الجهات صلاحيات أوسع دون “تلك الوصاية الكبيرة من المركز”، مقترحاً إحداث مؤشر (باروميتر) لقياس مستوى التنمية الجهوية، وخلق نوع من التنافس المحفَّز بين الجهات عبر امتيازات جبائية وعقارية تشجع الاستثمار، إلى جانب تفعيل صندوق التكافل بين الجهات لدعم الجهات المتأخرة.

وخلص لبكر إلى أن التصاميم الترابية المندمجة الجديدة منحت المواطن مكانة أكبر في تتبع البرامج التنموية وتقييمها، وأن تحالف صلاحيات ممثلي الدولة محلياً مع صلاحيات ممثلي السكان جهوياً كفيل بتسريع وتيرة الاستثمار، وختم بأن استكمال تسوية قضية الصحراء المغربية عبر الحكم الذاتي قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في تدبير الجهات على أساس العدالة بين جهات الجنوب والشمال، باعتبار أن تنمية المغرب لن تحقق إلا بتنمية جهاته الاثنتي عشرة مجتمعة.

القيادة الملكية

أكد الحبيب استاتي زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، أن عيد العرش يشكل مناسبة وطنية لاستحضار الأبعاد الدستورية والمؤسساتية للمؤسسة الملكية، باعتبارها ركيزة لاستمرارية الدولة وضمانة لوحدة مؤسساتها، وليس فقط رمزاً تاريخياً للدولة المغربية، وهو ما يجعل هذه المناسبة، في نظره، فرصة لقراءة حصيلة الأوراش البنيوية التي قادها الملك محمد السادس، وفي مقدمتها ورش الحكامة الترابية والجهوية المتقدمة، الذي أصبح، بعد دستور 2011، أحد الخيارات الدستورية المؤسِّسة لتنظيم السلطة داخل الدولة.

وقال استاتي زين الدين لهسبريس إن دستور 2011 أحدث تحولاً نوعياً في البناء الترابي للدولة، حين نص الفصل الأول منه على أن “التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة”، موضحاً أن الأثر القانوني لهذا المقتضى لا يقتصر على دسترة اللامركزية، وإنما يتجاوز ذلك إلى إقرار الجهوية باعتبارها خياراً دستورياً ملزماً لجميع السلطات العمومية، ومدخلاً لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجال الترابي، وفق منطق القرب والنجاعة والعدالة المجالية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وليس مجرد تقنية لإعادة توزيع الاختصاصات بين المركز والجهات.

بيد أن هذا التحول، بحسب الأكاديمي ذاته، لا يمكن قراءته بمعزل عن الوظيفة الدستورية للمؤسسة الملكية، كما حددها الفصل 42 من الدستور، الذي ينص على أن الملك هو “رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، والضامن لدوام الدولة واستمرارها، والساهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية”.

ويرى المتحدث أيضاً أن القراءة التكاملية للفصلين الأول و42 تكشف أن المؤسس الدستوري أقام علاقة وظيفية بين دسترة الجهوية والقيادة الدستورية للمؤسسة الملكية، باعتبارها الضامن لوحدة مسار الإصلاحات البنيوية؛ ذلك أن الجهوية المتقدمة، رغم ما تمنحه من استقلالية للجماعات الترابية، تظل جزءاً من البناء الموحد للدولة، ما يقتضي وجود سلطة دستورية تؤمّن وحدة التوجه الإستراتيجي للإصلاح وتحافظ على الانسجام بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين.

ومن هذا المنظور شدد زين الدين على أن القيادة الدستورية للمؤسسة الملكية لا تندرج ضمن الوظيفة التنفيذية التي تباشرها الحكومة وفق الفصل 89، وإنما تمثل اختصاصاً دستورياً ذا طبيعة إستراتيجية وتحكيمية؛ فالمؤسسة الملكية لا تدير السياسات العمومية اليومية، لكنها تؤطر توجهاتها الكبرى وتسهر على استمرارية الأوراش البنيوية بمعزل عن التحولات السياسية وتعاقب الحكومات.

إلى ذلك استحضر الأستاذ الباحث في هذا الصدد الخطاب الملكي بتاريخ 3 يناير 2010، الذي أطلق ورش الجهوية المتقدمة قبل دسترته سنة 2011، كدليلٍ على أن الإصلاح الدستوري جاء لتأطير مسار سبق إطلاقه سياسياً، إضافة إلى الحرص المستمر على تسريع اللاتمركز الإداري باعتباره الامتداد الوظيفي للجهوية؛ ذلك أن نقل الاختصاصات إلى الجهات لا يحقق أهدافه دون إعادة تنظيم الإدارة الترابية وتقوية المصالح اللاممركزة.

ويستدل استاتي بالفصل 136، الذي يؤسس التنظيم الجهوي على مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن ومشاركة السكان، مؤكداً أن التدبير الحر، في التصور الدستوري المغربي، لا يعني استقلال الوحدات الترابية عن الدولة، بل توسيع هامش المبادرة المحلية داخل إطار وحدة الدولة وسيادة الدستور، كما يعزز طرحه بالفصل 145، الذي يسند إلى الولاة والعمال مهمة تنسيق المصالح اللاممركزة ومساعدة الجماعات الترابية، ليخلص إلى أن الدستور المغربي لم يؤسس لعلاقة تنافسية بين الدولة والجماعات الترابية، بل أرسى تكاملاً وظيفياً بين اللامركزية واللاتمركز الإداري، بما يضمن وحدة العمل العمومي وفعالية التدخل التنموي.

ولعل من أبرز تجليات هذه القيادة الدستورية، بحسب المتحدث ذاته، ربط الإصلاح الترابي بالعدالة المجالية والتنمية المندمجة، من خلال إعادة هيكلة المراكز الجهوية للاستثمار، وإصدار الميثاق الجديد للاستثمار، وجعل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية رافعة لتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، بما يضمن التقائية السياسات العمومية حول هدف تحقيق تنمية ترابية متوازنة.

وخلص الأكاديمي زين الدين إلى أن خصوصية البناء الدستوري المغربي تتمثل في إسناد مهمة ضمان احترام الدستور وحسن سير المؤسسات إلى المؤسسة الملكية وفق الفصل 42، مستدركاً بأن فعالية هذه المقتضيات تظل رهينة بترسيخ ثقافة دستورية تجعل من الدستور المرجعية العليا، ومسجلاً أن الممارسة الدستورية منذ 2011 تكشف تمسك المؤسسة الملكية بهذه المرجعية، بما يعزز سمو الدستور ويكرس دولة القانون والمؤسسات.

العدالة الترابية

قال عادل تشيكيطو، رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، إن عيد العرش مناسبة للاحتفاء بما تحقق، وأيضاً للوقوف عند ما ينبغي استكماله، خاصة على مستوى إعمال الحقوق الدستورية على أرض الواقع، مذكّراً بأن التوجيهات الملكية ما فتئت، منذ أكثر من 25 سنة، تؤكد ضرورة جعل التنمية أكثر عدالة وإنصافاً، وتقوية الحكامة الترابية، وتقليص الفوارق بين الجهات، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لصيانة كرامة المواطن وضمان حقوقه.

وأفاد تشيكيطو، ضمن تصريحه لجريدة هسبريس، بأنه لا يمكن الحديث عن الحق في الصحة أو التعليم أو الشغل أو الولوج إلى الخدمات العمومية ما دامت جودة هذه الحقوق وإمكانية الاستفادة منها تختلف من جهة إلى أخرى، معتبراً أن معالجة الاختلالات المجالية ينبغي أن تمر عبر التصورات التي تحملها الخطب الملكية، سواء من حيث خيارها التنموي أو التزامها الدستوري والحقوقي بتكريس المساواة الفعلية بين المواطنين.

وفي المقابل يقر المتحدث بأن حجم التحديات مازال كبيراً؛ فرغم الأوراش والإصلاحات المُطلقة مازالت هناك فوارق مجالية واجتماعية تؤثر على التمتع الفعلي بالحقوق الأساسية، مستحضراً في هذا السياق وصف الملك هذه الإشكالية، في أكثر من خطاب، بـ”مغرب السرعتين”، وداعياً إلى تسريع وتيرة الإصلاح والرفع من نجاعة السياسات العمومية وتعزيز آليات التقييم والمساءلة.

ويعتبر الحقوقي نفسه أن الجهوية المتقدمة تمثل أحد أهم مفاتيح تحقيق العدالة الترابية، شريطة ألا تبقى مجرد نقل للاختصاصات على الورق، بل أن تقترن بتمكين الجهات من الإمكانيات المالية والبشرية اللازمة، وبإرساء حكامة قائمة على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، مؤكداً أن التنمية المحلية لا يمكن أن تنجح إلا إذا أصبح المنتخب والمسؤول الترابي خاضعين للمساءلة عن حصيلة تدبيرهما، وأصبح المواطن شريكاً في تحديد الأولويات وتقييم النتائج.

ويختم رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان بأن نجاح هذا الورش يقاس بمدى قدرة المواطن، أينما كان داخل التراب الوطني، على التمتع بالحقوق نفسها وبجودة الخدمات نفسها، موردا أن “العدالة الترابية هي عضد المساواة والإنصاف وجوهر دولة الحقوق والمؤسسات”.

The post "الجهوية" في عهد الملك محمد السادس .. مسار إصلاحي وتطلعات متنامية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress