الجغرافيا تحدد مصير تلاميذ المغرب .. والفجوة تتسع بين المدينة والبادية
كشف التقرير العالمي لرصد التعليم الصادر عن منظمة اليونسكو لعام 2026 عن معطيات تفيد بأن المكان الذي يولد فيه الطفل في المغرب مازال يحد من فرصه التعليمية، مؤكداً أن “العنوان السكني” مازال هو المحدد الأول لمستقبل الطفل الدراسي في المملكة.
وفيما أشاد التقرير بالقفزة النوعية التي حققها المغرب في تعميم الولوج إلى المدارس خلال العقدين الأخيرين رصد هوة وفوارق مجالية تضع تلاميذ القرى في كفة وتلاميذ المدن في كفة أخرى، ما يؤثر مباشرة على القدرة على الاستمرار في المسار التعليمي ومستوى جودة التحصيل الدراسي.
وفي هذا السياق استهل المستند ذاته قراءة المشهد المغربي بالإشارة إلى معضلة تقنية متمثلة في “نقص اكتمال بيانات التصنيف الجغرافي”، وأوضح أن المغرب مازال يواجه تحديات في توفير قاعدة بيانات إحصائية دقيقة ومفصلة تسمح بإجراء مقارنات علمية صارمة بين الوسطين القروي والحضري على غرار دول أخرى. هذه “الضبابية الإحصائية” تمنع، حسب اليونسكو، من تحديد الحجم الحقيقي للفوارق، ما قد يخفي وراءه أرقاماً أكثر بخصوص الهدر المدرسي وضعف الكفايات في المناطق القروية.
وفي تفصيل دقيق لما سماها المصدر ذاته “الفجوة الحضرية-الريفية” (Urban-rural gap) سجلت الوثيقة الدولية أن المكان الذي يولد فيه الطفل في المغرب مازال يشكل عائقاً أمام الإنصاف التعليمي؛ فبينما يتوفر تلاميذ الحواضر على بنيات تحتية مقبولة وولوج أسهل للموارد يجد تلاميذ القرى أنفسهم أمام الانقطاع المبكر، موردة أن معدلات الانقطاع عن الدراسة في المناطق القروية تسجل مستويات قياسية مقارنة بالمدن.
ويوضح التقرير أن “الفوارق في مخرجات التعلم بين الريف والحضر في المغرب لا تُعزى فقط إلى الوصول الفيزيائي (المسافة)، بل إلى التفاوت الكبير في توزيع الموارد الجيدة، والكفاءات التدريسية، وبيئات التعلم المحفزة”.
وفي هذا السياق استند المصدر ذاته إلى بيانات تشير فعلياً إلى أن نسبة كبيرة من مربي التعليم الأولي، تصل إلى 64%، يفتقرون إلى التدريب الرسمي، حسب ما ورد في تقارير “تقييم التعليم الأولي” التي سبق أن أنجزتها “اليونيسف” بالتعاون مع وزارة التربية الوطنية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
كما رصد المستند تفاوتاً في مخرجات التعلم، إذ يظهر تلاميذ القرى ضعفا ملموسا في الكفايات الأساسية (القراءة، الكتابة، والرياضيات)، وهو ما سماه “فقر التعلم” Learning Poverty؛ كما يوضح أن الانقطاع في الإعدادي والثانوي بالوسط القروي ليس “حدثاً مفاجئاً”، بل هو نتيجة تراكمية، إذ إن “بيئات التعلم غير المحفزة” ونقص “الموارد الجيدة” في القرى، أمور تجعل التلميذ “يخرج ذهنيًا” من المدرسة قبل أن يغادرها فعلياً، وهو ما يفسر لماذا يتوقف الكثيرون بمجرد انتهاء السلك الابتدائي أو في بدايات الإعدادي.
وفي ظل سعي المغرب نحو التعلم الرقمي أورد التقرير أن “إدخال أدوات التعلم الرقمي في أنظمة تعاني من عدم مساواة مجالية قد يؤدي إلى توسيع الفجوة التعليمية؛ فبدون استثمار منصف في البنية التحتية الرقمية في المناطق الريفية قد تعمل التكنولوجيا كفاصل بدلاً من كونها أداة للمساواة، ما يترك تلاميذ الريف أكثر عزلة.”
برنامج خاص
تعليقا على ما جاء في التقرير يقول جمال شفيق، خبير تربوي، إن “المشكل الذي يواجه المغرب بالأساس هو ضعف العرض التربوي الكافي في المناطق القروية، إذ يطرح إشكال توفر عرض مدرسي قادر على إقناع أطفال العالم القروي بالبقاء داخل المدارس والحفاظ عليهم”.
وأضاف شفيق أن “الأطر التربوية تدخل بدورها في هذا الإطار، إذ مازال الأساتذة يواجهون مشاكل مرتبطة بضعف التحفيزات المادية والمعنوية للعمل في القرى، كما يواجه مديرو المؤسسات التعليمية صعوبات مع انطلاق كل موسم دراسي”.
وأشار الخبير التربوي ذاته إلى أن “إصلاح جودة التعليم في العالم القروي والحد من الفجوات يقتضي مراعاة خصوصية التلميذ القروي مقارنة بغيره، من حيث تنشئته وبيئته المختلفة، وهو ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في التوقيت المدرسي المفروض عليه؛ ذلك أن غالبية الأطفال في القرى لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس في الساعات الأولى من الصباح، خاصة في ظل ضعف جودة الطرق وبعد المؤسسات التعليمية”.
وأوضح المتحدث نفسه أن “القرى في المغرب غالبًا لا تتوفر على مدارس متقاربة، بل توجد في كثير من الحالات مدرسة واحدة تستقبل تلاميذ عدة دواوير، وهو ما يتطلب المعالجة لضمان استمرار هؤلاء الأطفال في التمدرس، وتعزيز قدرتهم على التركيز والعطاء؛ فالتلميذ الذي يقطع كيلومترات طويلة، سواء سيرًا على الأقدام أو عبر وسائل نقل بسيطة، ويغادر منزله في وقت مبكر جدًا، يصعب عليه التركيز في دراسته”.
كما أكد شفيق ضرورة إطلاق برنامج محدد ومخصص للنهوض بالعالم القروي، معتبرًا أن التركيز على هذا المجال يكتسي أهمية كبيرة، بالنظر إلى تعدد وتنوع الإشكالات التي تعاني منها المدرسة القروية، سواء على مستوى الأساتذة أو التلاميذ، وهو ما يستدعي معالجتها بجدية أكبر.
أرقام أخطر
يرى الخبير التربوي عبد الناصر الناجي أن “الضبابية الإحصائية تعتبر عائقاً تقنياً جوهرياً يحول دون فهم العمق الحقيقي للأزمة التعليمية في الوسط القروي”، مردفا: “تتجلى هذه المعضلة في نقص البيانات الدقيقة، بحيث يواجه المغرب تحدياً في توفير قاعدة بيانات إحصائية مفصلة تسمح بإجراء مقارنات علمية صارمة بين الوسطين القروي والحضري؛ كما يعاني من عدم اكتمال بيانات التصنيف الجغرافي، ما يمنع من تحديد الحجم الحقيقي للفوارق، وهو ما قد يؤدي إلى إخفاء أرقام أكثر خطورة بخصوص الهدر المدرسي وضعف التعليمات الأساس في المناطق القروية”.
وزاد المتحدث ذاته أن “استمرار هذه المعضلة التقنية يشير إلى أن السياسات التربوية قد لا تمتلك الرؤية الواضحة لتوجيه الموارد بشكل فعال، إذ إن غياب البيانات الدقيقة يجعل من الصعب رصد أثر التدخلات التعليمية في القرى مقارنة بالمدن”.
ومن أسباب الفوارق المجالية في التعليم يذكر الناجي “تفاوت البنيات التحتية؛ فبينما يتمتع تلاميذ الحواضر ببنيات تحتية مقبولة وولوج سهل للموارد يواجه تلاميذ القرى صعوبات تؤدي إلى الانقطاع المبكر؛ أما التكنولوجيا فيمكن أن تشكل تهديدا حقيقيا إذا عانى إدخال أدوات التعلم الرقمي من عدم المساواة المجالية، لأن من شأن ذلك أن يوسع الفجوة بين التلاميذ، وبدون استثمار منصف في البنية التحتية الرقمية ستعمل التكنولوجيا كفاصل يزيد من عزلة تلاميذ القرى بدلاً من كونها أداة مساواة”.
وتابع المصرح نفسه بأن “السلك الابتدائي الذي يشكل حجر الزاوية في المسار الدراسي مازال أساتذته في القرى يعانون ضعف التكوين، فضلا عن تفشي ظاهرة ‘فقر التعلم’، بحيث يظهر تلاميذ القرى ضعفاً ملموساً في الكفايات الأساسية لهذا السبب بالذات، فيما تظل العدالة المجالية هي المفتاح الأساس لكل هذه الإشكالات”.
The post الجغرافيا تحدد مصير تلاميذ المغرب .. والفجوة تتسع بين المدينة والبادية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.