الجريمة والعقاب
من بين المفارقات اليوم رفض الجيل الجديد لمنطق القانون بل وفكرة التوجيه بغاية تصحيح مساره الحياتي والمهني والتي ما يرى على انها عقاب له ونوع من الاذلال الرمزي وهو غير صحيح بتاتا في ظل الممارسات القانونية والحقوقية في الكثير من الانظمة السياسية العالمية.
تاريخيا، شكل رفض تطبيق القانون من الناحية الرمزية والتاريخية في يونيو 1939، بعد ان تحول الإعدام العلني أما الإعدام العلني لأوجين وايدمان، وهو حدث تاريخي شهير وقع في 17 يونيو 1939 أمام سجن سان بيير في مدينة فرساي بفرنسا. بعد ادانته بارتكاب عدة جرائم قتل وخطف وسرقة. لينفذ نُفذ فيه حكم الإعدام بواسطة المقصلة أمام جمهور كبير. وهو التنفيذ الذي ادى الى مشهد فوضوي، إذ حاول بعض الحاضرين التقاط الصور والاقتراب من مكان الإعدام. وبسبب هذا الحدث، قررت الحكومة الفرنسية بعد أيام إلغاء جميع الإعدامات العلنية، لتُنفذ بعد ذلك داخل السجون فقط حتى أُلغي حكم الإعدام نهائيًا في فرنسا عام 1981. وهو الحادث الذي عرف مظاهرة من الهستيريا الجماعية التي دفعت بعض المتفرجين إلى الرغبة في غمس مناديلهم في دماء المحكوم عليهم. بحيث سيتم إزالة عقوبة الإعدام عن الأنظار، ولكن سيتم تطبيقها خلف جدران السجن… وبعد مرور أربعين عامًا، تم إلغاؤه، وكأن العقوبة أصبحت سرية وفقدت “سبب وجودها”.
في الواقع، يشير التأديب من الكلمة اللاتينية castigis إلى فكرة التصحيح أكثر من فكرة العقاب. قد يرى البعض على انه نوع من “القمع”، بالمعنى الأساسي لـ “الاحتواء”… ونحن ندرك أن وظيفة العقاب تكمن في فضيلة المثل التربوية هذه. إن الأمر يتعلق بـ “احتواء” الجرائم المستقبلية وليس معاقبة جرائم الماضي. العقوبة هي تصحيح تفرضه الدولة على المجتمع، وأداة للرقابة الجماعية والوقاية، وليست وسيلة لمعاقبة الجرائم الفردية.
العقاب هو أداة تهدف إلى “دعم” الذاكرة الجماعية اوما يسميه بيير بورديو بالوعي الجمعي او الهابيتوس (Habitus) . فما ينقش في جسد الشخص المعذب هو دائما نص القانون، وهكذا فإن العقوبة تشبه دائمًا تلك التي تخيلها فرانز كافكا في رواية La colonie pénitencière: حيث تقوم آلة كاتبة بوضع علامة على جسد الشخص المحكوم عليه بالمادة من القانون التي لم تتم معاقبتها. في واقع الأمر، نحن نفهم لماذا يهتم ميشيل فوكو – الذي ألّف كتاب «المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن» Surveiller et punir: Naissance de la prison)، ونُشر لأول مرة عام 1975.
ويُعد من أهم كتب الفلسفة والعلوم الاجتماعية في القرن العشرين- بالسرد التفصيلي للعذاب الذي تعرض له داميان، بعد المحاولة الفاشلة ضد الملك لويس الخامس عشر: التشويه، والحرق، والتقطيع… ولا يسلم القارئ من أي شيء من المسار الرهيب للإعدام. إن الرعب المدون للعقاب يتجاوز مقياس الجريمة – قتل الملك. ولم ينس فوكو، المعلم المخلص لنيتشه، كتاب “أنساب الأخلاق”، الذي يحدد فيه الفيلسوف الألماني أطروحته الصادمة حول الألم بوصفه الأداة السيادية الأقوى لتأسيس الذاكرة البشرية وحفظ النوع البشري من الفناء الروحي.
وكان داميان قد حاول عام 1757 الاعتداء على لويس الخامس عشر بسكين صغيرة، فأصاب الملك بجروح طفيفة ولم يقتله. ومع ذلك، اعتُبرت الجريمة اعتداءً على شخص الملك الذي كان يُنظر إليه باعتباره رمزًا للدولة، فصدر بحقه حكم شديد القسوة. ولكن ما تعلمه هذه العقوبات النموذجية للشعب أيضاً هو الضرورات الثلاث التي تحكم كافة التشريعات الجنائية. ولكي تكون العقوبة فعالة، يجب أن تكون قانونية ومفيدة ومتناسبة. ولم يتم تحليل هذه الأفكار الأساسية الثلاث ونشرها في مقال قصير بعنوان Traité des délits et des peines باللغة الفرنسية إلا في عام 1764 ومع الماركيز دي بيكاريا. ويشير بيكاريا إلى ضرورة شرعية الأحكام: فالعقاب ليس غاية في حد ذاته. كما أنه لا يمكن تطبيقه على قمع الجرائم التي لا تشكك في النظام العام. وهكذا فإن كل الجرائم الدينية (الهرطقة، التدنيس، الخ) ليست فوق “التأديب. لان العوائق التي تثني الرجال عن ارتكاب الجرائم يجب أن تكون أقوى لأنها تتعارض مع الصالح العام. ولذلك يجب أن تكون هناك نسبة بين الجرائم والعقوبات..
ميشيل فوكو كرس دراسة عميقة للقاتل الشهير لوالدته وأمه واخته بيير ريفيير، Pierre Rivière بعد ان قام بأول تأمل حول المعنى الاجتماعي للأشكال المختلفة التي تتخذها العقوبة عند تصريفها. بلغ هذا العمل ذروته في عام 1975 بنشر كتاب Surveiller et punir، وهو كتاب حدد “الحلم العسكري للمجتمع” الذي ظهر في فرنسا في بداية القرن التاسع عشر. ومن ثم تصبح المدرسة والمستشفى والسجن أدوات للسيطرة والإكراه تتعامل معها الدولة وتطبقها على المجتمع.
ويميز فوكو، في مساره، بين أربعة أشكال من العقوبة: النفي، والتعويض، والتشويه، والسجن. وهذا الأخير يلفت انتباهه لأنه الأحدث ويميز مجتمعاتنا الحديثة التي اختارت أن تجعل السجن الشكل العام للعقوبة. لكن هذا الاختيار، الذي يأتي في بداية القرن التاسع عشر (سيتذكر، على سبيل المثال، أنه وفي عام 1831، أُرسل المفكر وعالم الاجتماع الفرنسي الشاب ألكسيس دي توكفيل (Alexis de Tocqueville)، وهو في السادسة والعشرين من عمره، رفقة صديقه غوستاف دي بومون، إلى الولايات المتحدة الأمريكية في مهمة رسمية بتكليف من الحكومة الفرنسية (في عهد الملك لويس فيليب الأول) . ففي الواقع، نحن نفهم لماذا السجن يولد الجريمة… ولهذا السبب فإن المجتمعات التي سبقت مجتمعنا لم تكن تمارس هذه الممارسة إلا نادراً. ولذلك فإن تنظيم عقوبة السجن يمكن تفسيره – بتغير في تصورنا للجريمة، التي يُنظر إليها الآن على أنها نوع من الأمراض التي يعد الحبس علاجًا مثاليًا لها، وهو غير صحيح لدى الكثيرين بعد ان تحولت السجون في نظرهم الى مدارس يتخرج منها منحرفون بالمعنى الأكاديمي والقدحي للكلمة.
The post الجريمة والعقاب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.