الثالوث المر (لبنان بين التنازل، التفاوض والانتحار)

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

عمّار الحيدري

 

 

 

يقف لبنان اليوم على نصل سكين حاد، ليس فقط بسبب الأزمات الاقتصادية، بل لوقوعه في شرك "الثالوث المر"؛ وهي خيارات أحلاها علقم تتربص بكيانه. هذا الثالوث المتمثل في: التنازل عن المقدرات، التفاوض من موقع الضعف، أو الانزلاق نحو حرب أهلية، يشكل جوهر القلق الوجودي في ظل تقاطع أجندات إقليمية حوّلت الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات.

أضلاع الثالوث: قراءة في المخاطر
1. التنازل عن المقدرات (بيع الأصول مقابل البقاء):
تتعرض الدولة لضغوط لدفعها نحو التخلي عن أصولها السيادية من مرافق حيوية وموارد طبيعية. الخطورة تكمن في تحول لبنان إلى "شركة مفلسة" تدار من الخارج، ما ينهي مفهوم السيادة الوطنية ويجعل القرار السياسي مرهوناً بمصالح الممولين، ويحول المواطن إلى مجرد مستهلك في وطن لم يعد يملكه.

2. التفاوض المذل (دبلوماسية بلا أوراق قوة):
يجد لبنان نفسه مدفوعاً لمفاوضات مع العدو الإسرائيلي وهو في قمة هشاشته. التفاوض بلا "أوراق ضغط" موحدة ليس دبلوماسية، بل هو "إذعان مقنّع". القوى الإقليمية تستخدم الساحة اللبنانية كصندوق بريد، بينما يقتنص العدو لحظة الانهيار لفرض واقع أمني وقانوني يمس بالكرامة الوطنية ويقيد سيادة الدولة على ثرواتها.

3. الحرب الأهلية (الانتحار والتغيير الديمغرافي):
يبقى الخطر الأكبر هو الاقتتال الداخلي الذي يُلوح به كفزاعة. الحرب القادمة، إن وقعت، لن تكون مجرد نزاع عسكري، بل "رصاصة رحمة" على التنوع اللبناني. ستؤدي لموجات هجرة تفرغ البلاد من كفاءاتها وتحدث فرزاً سكانياً (ترانسفير مقنع) ينسف صيغة العيش المشترك ويحول لبنان إلى كانتونات ممزقة يسهل اختراقها.

خارطة الطريق: العبور نحو الدولة المستعادة
لكسر هذا الثالوث، لا بد من التحرك ضمن مسارات متوازية تحول نقاط الضعف إلى أوراق قوة:

أولاً: المسار السيادي (التحصين): صياغة استراتيجية دفاعية وطنية توحد الرؤية تجاه التهديدات الخارجية، وتبني سياسة "المصلحة اللبنانية أولاً" لتحييد الساحة عن صراعات المحاور الإقليمية.

ثانياً: المسار الاقتصادي (الحماية): إنشاء صندوق سيادي مستقل لإدارة أصول الدولة بشفافية دولية، ما يمنع بيعها بأسعار بخسة ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة بعيداً عن المحاصصة.

ثالثاً: المسار الداخلي (الاستقرار): تفعيل اللامركزية الإدارية الموسعة لتخفيف الاحتقان الطائفي، بالتوازي مع قانون انتخابي عابر للطوائف يضمن التوازن ويمنع الهواجس الديمغرافية من التحول إلى وقود للحروب.

رابعاً: المسار القضائي (المحاسبة): تكريس استقلال القضاء كدرع حماية؛ فالمحاسبة في ملفات الفساد والجرائم الوطنية هي الوحيدة الكفيلة باستعادة ثقة المواطن بالدولة ومنعه من اللجوء إلى "الأمن الذاتي".

الخلاصة:
إن كسر الثالوث المر يتطلب قراراً شجاعاً بالانتقال من "التبعية للخارج" إلى "الاعتماد على الذات الجماعية". لبنان لا يحتاج إلى معجزات، بل لكتلة وطنية تدرك أن الثمن في خيارات الثالوث هو "الوجود" نفسه. إن تحصين البيت الداخلي هو السبيل الوحيد لامتلاك ورقة تفاوض حقيقية تحمي الأرض، الثروة، والإنسان.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية