التّمييز يطفو على المسابح اللبنانيّة... "ممنوع" دخول العاملات الأجنبيّات

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في ألمانيا، وتحديداً في شرقها، أثار قرار بعض المسابح منع من لا يتحدث الألمانية من الدخول موجة واسعة من الانتقادات، واتهامات بالتطرف والعنصرية تجاه المهاجرين. إذ رأى كثيرون أن اللغة يجب ألا تتحول إلى تذكرة عبور إلى مكان عام، وأن ذلك لا ينسجم مع مبادئ المساواة. ولكن، بينما كان الجدل يدور هناك، كان مشهد آخر مشابه يتكرر هنا في لبنان، بهدوء ومنذ سنوات.

 

فمع بداية كل صيف، تعرف "إسراء" أن اختيار المسبح ليس مسألة أسعار أو خدمات أو إطلالة على البحر، بل سؤال واحد يسبق كل شيء: "هل يسمحون بدخول العاملات الأجنبيات؟".

كانت تحاول دائماً اصطحاب "أرابيكا" معها، ليس لتعتني بأطفالها، بل لتعيش يوماً ترفيهياً مثل الجميع. تسبح، تضحك، وتستمتع بالشمس. لكنها كانت تصطدم، في كل مرة تقريباً، بالجواب نفسه عند المدخل: "ممنوع". هذا الصيف، نجحت أخيراً في العثور على أحد المنتجعات التي تسمح بدخول العاملات الأجنبيات، شرط دفع رسم الدخول، تماماً كأي شخص آخر.

للمفارقة، في أماكن أخرى يُسمح للعاملة بالدخول، لكن بشرط أن تبقى جالسة على الكرسي لمراقبة الأطفال والعناية بهم. فتمضي ساعات طويلة تحت الشمس الحارقة، وهي تراقب الآخرين يستمتعون. وكأن المياه، فجأة، تتحول إلى امتياز لا حق، وكأن لون البشرة أو طبيعة العمل قادران على تلويثها.

وليس هذا استثناءً. عائلات عدة روت لـ"النهار" أنها مُنعت من إدخال عاملة منزلية إلى أكثر من مسبح في كسروان وجبيل وبيروت وضواحيها. وفي حالات أخرى، لم يُسمح للعاملات حتى بالجلوس إلى جانب الأطفال الذين يرافقنهم للعناية بهم. ولهذا السبب، باتت أُسر كثيرة تتجنب اصطحاب العاملات معها من الأساس، لأنها تعرف مسبقاً أن الإحراج ينتظرها عند البوابة.

في المقابل، تروي مهى أن عاملتها "آسبر" ترافق العائلة إلى المسابح باستمرار، من دون أن تتعرض لأي إساءة. وتؤكد "آسبر" لـ"النهار" أنها لم تواجه يوماً أي تمييز، سواء في المسابح أو المطاعم. وترى مهى أن لكل مسبح قوانينه الخاصة، معتبرة أن التمييز في لبنان لا يقتصر على الجنسية أو لون البشرة، بل يمتد أحياناً إلى اللباس أيضاً، بين "البيكيني" و"البوركيني"، أو بين المحجبة وغير المحجبة.

 

عاملات المنازل الأجنبيات في لبنان

 

في هذا السياق، يؤكد رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان، كاسترو عبد الله، أن هذه الحالات موثقة منذ سنوات. ويكشف لـ"النهار" أن الاتحاد نظم قبل أربع سنوات رحلة لعشرات العاملات، دخلن خلالها بالقوة إلى بعض المسابح بعد دفع رسوم الدخول، في مواجهة لقرارات المنع. ويضيف: "كثيرون هددونا بالدعاوى، لكننا كنا نوثّق هذه الحالات باستمرار". ويلفت إلى أن التمييز لا يقتصر على المنتجعات، بل يمتد أحياناً إلى المطاعم، حيث تُمنع بعض العاملات من الجلوس مع العائلة أو حتى من تناول الطعام على الطاولة نفسها.

الغريب في الأمر، أن كل هذا يحدث في بلد يرفع دائماً رايات الحريات والشعارات "الرنانة"، كما يكفل دستوره مبدأ المساواة، ويفاخر بتنوعه وانفتاحه. فكيف يمكن لمكان يستقبل العموم مقابل بدل مالي أن يمنع شخصاً من الدخول بسبب جنسيته أو لون بشرته أو طبيعة عمله؟

الجواب؟ مصادر في وزارة السياحة تقول لـ"النهار" إن المنتجعات الخاصة تملك حق وضع شروط الدخول، ولا تستطيع الوزارة فرض معايير عليها، لكنها تتمنى عليها ألا يكون هناك أي تمييز، وأن تُعلن هذه الشروط مسبقاً وبوضوح حتى لا تُفاجأ العائلات عند الوصول. وتشير إلى أن معظم المسابح في لبنان تسمح بدخول العاملات، وأن الحالات المانعة تبقى محدودة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الوزارة لا تملك صلاحية إلزام القطاع الخاص باستقبال الجميع، باعتبار أن الدستور يكفل مبدأ المساواة كما يكفل مبدأ الحريات، والقطاع الخاص حر بوضع شروطه.

 

ربما هنا تكمن المشكلة الحقيقية. فعندما أثار القرار في ألمانيا الغضب لأنه بدا للكثيرين عنصرياً ومهيناً، ولم يرفّ جفن للمعنيين في لبنان برؤية امرأة تجلس تحت الشمس لساعات لأنه "غير مسموح لها" بالنزول إلى المياه... وفي وقتٍ لا يميّز فيه البحر بين الجنسيات، ولا تسأل فيه المياه عن لون البشرة، ولا تختار الشمس على من تشرق، بل وحدها بعض الأبواب، وبعض القواعد "البشرية" التي تستغل شعار الحرية، تقرر من يستحق ومن لا يستحق الدخول... فعن أي مساواة وأي حرية نتكلّم؟

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية