التواصل المؤسساتي ملف أمام حكومة شتنبر

يدشن تقرير مؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025 ، لمقاربة جديدة في مجال التواصل المؤسساتي، قد يكون أول ملف على مكتب رئيس حكومة تفرزها صناديق الاقتراع خلال الانتخابات التي تجرى في ال 23 شتنبر 2026  والتي يحلو للصحافة  أن تسميتها ب” حكومة المونديال”، في أفق احتضان المغرب  لمنافسات كأس العالم 2030 بمعية كل من اسبانيا والبرتغال، 

وبعيدا عن اكراهات الانتخابات النيابية المقبلة وانعكاساتها  على المشهد السياسي والحزبي والسناريو الذي تخبؤه، فإن ” جزء من مدبري الشأن العام ما يزال ينظر إلى التواصل باعتباره ترفا، وليس واجبا أساسيا في تدبير السياسات العمومية، رغم ما قد يترتب عن ضعفه من تعميق للأزمات وتأزيم للعلاقة بين الإدارة والمواطنين”، كما سجل وسيط المملكة حسن طارق. ي معرض تقديمه لخلاصات التقرير السنوي المرفوع إلى العاهل المغربي الملك محمد السادس برسم سنة  2025 خلال الندوة الصحفية نظمتها مؤسسة الوسيط في 23 يوليوز الجاري.

صمت وانغلاق

وإذا كان دور مؤسسة الوسيط يتمثل في خلق الحوار بين مدبري السياسات العمومية والمرتفقين، وتعزيز التواصل بين الإدارة والمواطنين، بما يسهم في تشخيص الاختلالات المرفقية واقتراح سبل معالجتها، فإن وسيط المملكة، أقر أيضا بأن هناك “عطبا كبيرا اسمه التواصل المؤسساتي”،  مشددا في هذا الصدد على أنه، ”  لا ينبغي التعامل معه ( التواصل )، باعتباره عنصرا ثانويا، بل جزء  لا يتجزأ من تدبير السياسات العمومية وتنزيلها”.

وفي هذا الصدد لاحظ بأن الإدارة المغربية، ” ما تزال تعاني من وجود ما وصفها بجيوب تنتمي إلى المفهوم القديم للسلطة، تقوم على ثقافة الكتمان والصمت الإداري والانغلاق، وهو ما ينتج عنه ضعفا جليا في ميدان التواصل، مع التمسك ب”إرث السرية وسوء الفهم”، في وقت أصبحت فيه العلاقة اليومية بين المواطن والإدارة اختبارا حقيقيا لنجاعة السياسات العمومية ولمستوى الثقة في المؤسسات.

ويكرس القانون 14.16  المتعلقة بمؤسسة وسيط المملكة، وظيفة تنمية التواصل بين الإدارة والمرتفقين ضمن الاختصاصات الأساسية للمؤسسة، حيث تنص المادة 27 على أن الوسيط، يسهر على تنمية التواصل الفعال بين الأشخاص فرادى أو جماعات، وبين الإدارات والمؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية.

التواصل الفعال

كما خولت المادة 30  للمندوبين الجهويين  إرشاد المرتفقين وتوجيههم، وحث الإدارة عند الاقتضاء، على التواصل الفعال معهم، واقتراح التدابير الكفيلة بتحسين بنية الاستقبال والاتصال بالإدارة، عند الاقتضاء على التواصل الفعال معهم، واقتراح التدابير الكفيلة، بتحسين بنية الاستقبال والاتصال بالإدارة.، بينما أقرت المادة 31 ، تعيين مخاطب أو مخاطبين دائمين داخل الإدارات لضمان التنسيق والتواصل مع المؤسسة. فيما أسندت المادة 32  لهؤلاء المخاطبين اقتراح الإجراءات المرتبطة بتحسين بنية الاستقبال  والاتصال وتبسيط المساطر وتيسير الولوج إلى المعلومات.

وعلى الرغم من أهمية هذه الرؤية وما تحمله من جرأة وابداع واضحين، فإن سؤال الإعلام المهني ودوره في بلوغ الأهداف التي ينبغي أن يلامسها التواصل الإداري بالنظر إلى التطور الكبير الذي تعرفه الممارسة الإعلامية، لا من حيث الوسائل والأنماط ( الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي ) والفاعلين والتحديات التي يطرحها هذا التطور خاصة على مستوى بناء الثقة ومنسوبها بين الإدارة والمرتفق.

تحول في الوظيفة

فالتواصل بالإدارة العمومية، يعرف بصفة عامة، تحولا في طبيعته ووظائفه، ساهمت فيه بشكل كبير تحديات الثورة الرقمية، حيث أضحى هذا التواصل عاملا مؤثرا في قابلية الفعل العمومي للفهم وفي تمثلات المواطنين السياسات العمومية. فالإدارة قد تبادر إلى إطلاق برامج وإصلاحات ذات أثر فعلي، غير أن محدودية التعريف بها، أو ضعف تفسير مضامينها، أو غياب التأطير المصاحب لها، يجعل جزء مهما من هذا الفعل العمومي خارج معرفة وإدراك المرتفقين، وهو ما ينعكس على مستوى الثقة في المؤسسات، وتتعمق بذلك هذا الإشكالية، خاصة في اتساع فضاءات تداول المعلومات، و معها تزايد الطلب على الشفافية والوضوح، وتصبح معه قابلية القرار الإداري للفهم عنصرا أساسيا في تقييم الأداء العمومي، مع العلم،  بأن المبادرات العمومية تقاس بمدى وضوحها، وبقدرة الإدارة على شرح أهدافها وآثارها، وبقابلية المواطنين لاستيعاب منطقها، كما هو معروف.

وإذا كان ليس من فرد ولا مجتمع بقادر على الإفلات من التواصل والإتصال. وبما أن الإعلام وعملية التواصل لم ينفصلا عن بعضهما بعضاً، طيلة قرنين من الومن، فإنه ليس ثمة إعلام في ظل غياب مشروع التواصل، كما سجل دومينيك وولتون في كتابه ” الاعلام ليس تواصلا”، والذي اعتبر فيه بأن التحدي الحقيقي في عالم اليوم متعلق بالتواصل أكثر مما هو متعلق بالإعلام الذي يعتبر توافره غير كافٍ لإيجاد التواصل.

الاعلام وسيط

لكن على المستوى الوطني، تظل عدة أسئلة مطروحة في هذا الصدد، منها  ماهي الأدوار المفترضة للإعلام في تنمية التواصل بين الإدارة والمواطن ؟ وكيف يساهم التواصل الإداري في تعزيز وضوح الفعل العمومي وقابلية السياسات العمومية للفهم؟ وما هو دور وسائل الإعلام في تفسير القرارات والسياسات العمومية وتأثير ذلك على مستوى الثقة في الإدارة؟ وكيف يؤثر التحول الرقمي على التواصل بين الإدارة والمواطن؟ وهل تواكب وظائف التواصل الإداري التحولات التي يعرفها المجال العمومي الرقمي؟ وهل يمكن للإعلام أن يسهم في تطوير التواصل بين الإدارة ليواكب  السياسات العمومية ويشرح أهدافها وأثارها وتحسين الممارسات التواصلية وتعزيز الثقة في المرفق العمومي؟.

ربما هذه الأسئلة قد تظهر في البداية،  بأنها تخرج عن نطاق تقرير الوسيط، وليس عن السياق العام، لكن بالنظر للعلاقة الوثيقة مابين الفعلين الإعلامي والتواصلي، فإن هناك الحاجة الى تجسير العلاقة ما بين الحقلين . كما أنه إذا كانت الديمقراطية، لا تعنى  إلغاء  للهيئات والمهن الوسيطة، وإنما المصادقة على دورها وإمكانية انتقادها، فإن دور الصحافيين حتى في الديمقراطيات العريقة والمتقدمة، لم تسلم من تعقد العلاقة بين الإدارة والإعلام  والتي إتسمت عموما بالصراع المستمر،  كما سجل الباحث وعلم الاجتماع الفرنسي دومينيك وولتون  المختص في علوم الاتصال، ووسائل الإعلام، والفضاء العام، في مؤلفه ” الإعلام ليس تواصلا”.

إنقاذ التواصل

 وإذا كان دومينيك وولتون  يوضح كذلك في كتابيه الموسومين ب” العولمة الأخرى”  L’autre mondialisation ” و”من الضروري انقاذ التواصل II faut sauver la communication “، بأنه لطالما كانت وسائل الإعلام في قلب المجتمع، فإنه تلعب دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام والتأثير على قرارات الأفراد والجماعات، فإنه يلاحظ بأن وسائل الإعلام، على المستوى الوطني،  كثيرا  ما تساهم في ترسيخ صورة سلبية لدى المواطنات والمواطنين عن أداء الإدارة العمومية .

ورغبة منها في فتح فضاءات للحوار والتواصل بين المرافق العمومية ومدبري السياسات العمومية والمرتفقين والمواطنين والشباب والجمعيات، ذكر حسن طارق بأن مؤسسة الوسيط بادرت إلى إطلاق  برنامجا جديدا تحت اسم ” منتديات الحكامة المرفقية” التي تندرج ضمن توجه المؤسسة نحو إعادة تموقعها ك” فاعل في الحوار العمومي، والانتقال من مؤسسة، تقتصر مهامها على تلقي التظلمات والشكايات وحماية الحقوق، إلى مؤسسة مرجعية في مجال الحكامة واقتراح الإصلاحات”، وهو التحول الذي يندرج ضمن المخطط الاستراتيجي للمؤسسة للفترة الممتدة من 2025 إلى 2030، الذي يقوم على الانتقال من “منطق الحماية إلى منطق الحماية والحكامة”، فضلا عن المساهمة في إعادة الاعتبار لوظيفة التواصل بين الإدارة والمرتفقين والانفتاح على القضايا الناشئة.

دينامية ورهان

تجدر الإشارة إلى أن إصدار التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025  يكتسى دلالة مؤسساتية بالغة الأهمية، لاقترانه ببداية ولاية جديدة للمؤسسة، وبما فتحته من أفق لتثمين الرصيد المهني المتراكم في مجال الوساطة وحماية الحقوق المرفقية، وتقوية أثر المؤسسة في مواكبة إصلاح الإدارة وتحسين علاقتها بالمرتفق.  ويستحضر التقرير المرجعية الدستورية للمؤسسة، بناء على ما تحمله من رهانات تتعلق بتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة، وترسيخ سيادة القانون وقيم التخليق، والدفاع عن الحقوق المرفقية على أساس المساواة والإنصاف.

كما يأتي في سياق دينامية مؤسساتية متنامية تروم تعزيز مكانة الوساطة المرفقية وتطوير وظائفها داخل منظومة الحكامة العمومية، كما جاء في ملخص التقرير الذي يبرز بأن هذه السنة، تميزت بالموافقة الملكية على اعتماد يوم التاسع من دجنبر من كل سنة يوما وطنيا للوساطة المرفقية، وهو ما يعبر عن اعتراف بأدوار الوساطة في صيانة الحقوق المرفقية وعن إرادة لترسيخ ثقافتها داخل المرفق العمومي.

الوساطة والأثر

واستند التقرير السنوي للوسيط على بنية منهجية ثلاثية مركبة، تتناول الطلب على الوساطة، وتفاعل الوسيط، ثم تجاوب الإدارة، وذلك بالارتكاز على المؤشر الوطني للوساطة، كإطار تركيبي لقراءة حجم الطلب، وطبيعة تدخل المؤسسة، ومستوى استجابة الإدارة لمخرجات الوساطة. وتؤكد مجموع المعطيات التي تضمنها  التقرير على ” اتساع الطلب على الوساطة المؤسساتية، وتزايد ارتباطه بقضايا ذات أثر اجتماعي وحقوقي مباشر، وتطور آليات المؤسسة في المعالجة والتوجيه والتسوية والاقتراح”.

معطيات التقرير تشدد على ضرورة ” الحاجة إلى مواصلة ترسيخ ثقافة التجاوب الإداري، وتقليص آجال الجواب والتنفيذ، وتثبيت فلسفة الوساطة باعتبارها أداة عملية للإنصاف الإداري، وتجديد الثقة، وتخليق المرفق العمومي”، لافتا الانتباه إلى ” بروز جيل جديد من التظلمات المرتبطة بالسياسات والبرامج الاجتماعية”.

وبصفة عامة يعد التواصل بمثابة امتحان أو اختبار يومي للإدارة المغربية في مجالي الثقة والشرعية، لكون الإدارة ليست مجرد جهاز قانوني، بل فضاء للتواصل والتفاعل الرمزي اليومي بين المرتفق والمرفق العمومي، وبين المجتمع والدولة، كما كان حسن طارق قد أكد خلال ندوة علمية حول موضوع «التواصل الإداري: الإعلام ورهان الثقة»، نظّمها مسار التميز في الصحافة والإعلام بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببنى ملال، في ماي الماضي.

اقرأ المقال كاملاً على لكم