"التمثيل حرام"... إيقاف "الدحديرة" يثير مجدداً نفوذ التشدّد في الوسط الفنّي المصري
أثار إيقاف عرض مسرحية "الدحديرة" في جامعة العاصمة بالقاهرة، المعروفة سابقاً بجامعة حلوان، أزمة كبيرة وغضباً واسعاً في مصر، بعدما ترددت روايات تفيد بأن سبب المنع يعود إلى اعتبار بعض المسؤولين أن "التمثيل حرام". ورغم إعلان مخرج العمل محمد أشرف ميزو انتهاء الأزمة بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية، فإن القضية تحوّلت إلى ما هو أبعد من خلاف إداري داخل جامعة، لتفتح مجدداً النقاش بشأن تأثير الخطابات المتشددة ونفوذها في المجالين الثقافي والفني في مصر.

المسرحية مستوحاة من رواية "السنجة" للكاتب الراحل أحمد خالد توفيق التي تدور أحداثها في عالم شعبي مهمش. واستغرق إعداد المسرحية نحو أربعة أشهر، وفق فريق العمل.
 
الناقد الفني محمد عبد الخالق، رئيس تحرير منصة "في الفن" ، أكد لـ"النهار" أن القضية لا تزال غامضة بسبب تضارب الروايات. ففي حين تحدث مخرج العرض عن إيقاف مفاجئ مصحوب بتصريحات ترفض الفن والمسرح، قالت مصادر داخل الكلية إن الأزمة تعود إلى مخالفة تنظيمية تتعلق بمشاركة طالبين موقوفين عن النشاط الجامعي.
لكن، حتى مع غياب رواية حاسمة، فإن مجرد تداول خطاب من هذا النوع داخل جامعة يثير قلقاً واسعاً، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بعرض مسرحي تم تعطيله، بل بثقافة كاملة تحاول منذ سنوات إعادة الفن إلى دائرة الشبهة والتحريم. فهذه اللغة ليست جديدة على المجتمع المصري، بل هي امتداد لسنوات طويلة من تغلغل الأفكار المتشددة التي تعاملت مع الموسيقى والتمثيل والغناء باعتبارها تهديداً أخلاقياً، لا أدوات تعبير وإبداع.
 
ضغوط "فتاوى التحريم"
وخلال العقود الماضية، دفعت الساحة الفنية المصرية ثمناً باهظاً لصعود هذا الخطاب، بعدما تعرض فنانون لحملات تخوين وتحريض، فيما اختار بعض النجوم الاعتزال تحت ضغط "فتاوى التحريم". الأخطر أن هذه الأفكار لم تكتفِ بالبقاء في الهامش، بل تسللت تدريجياً إلى المؤسسات التعليمية والاجتماعية، وهو ما يجعل أي حديث عن "حرمانية التمثيل" داخل جامعة أمراً لا يمكن التعامل معه بخفة أو اعتباره مجرد سوء تفاهم عابر.
وأشار عبد الخالق إلى أن الجامعات المصرية كانت تاريخياً من أهم المنابع التي خرج منها كبار الفنانين والمبدعين، وأن المسرح الجامعي لعب دوراً محورياً في تشكيل الوعي الثقافي والفني لأجيال كاملة. لذلك، فإن ضرب هذا الدور أو التشكيك في مشروعيته يمثل انتكاسة حقيقية لفكرة الجامعة نفسها، باعتبارها فضاءً للتفكير الحر والتعبير.
 
وكان محمد أشرف ميزو قد نشر تدوينة عبر "فايسبوك" قال فيها إن فريق العمل سمع أكثر من مرة أن "المسرح والتمثيل حرام"، متسائلاً: "إذا كان التمثيل حراماً، فلماذا تضم الجامعة أقساماً متخصصة في علوم المسرح والتمثيل والإخراج؟". كما ظهر في فيديو متداول متأثراً وهو يتحدث عن إيقاف العرض بشكل مفاجئ، ما أثار تعاطفاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً بعدما كشف أنه أنفق الأموال التي كان يدّخرها لحفل خطوبته على إنتاج المسرحية.
وفي تطور لاحق، أعلن ميزو أن نقيب المهن التمثيلية الدكتور أشرف زكي تدخّل لحل الأزمة، مؤكداً أن رئيس الجامعة وعميدة الكلية لا علاقة لهما بما حدث، ومقدماً اعتذاره لهما. لكن الجدال لم يتوقف، إذ رأى كثيرون أن الأزمة كشفت هشاشة العلاقة بين بعض المؤسسات والثقافة، وأن الخطر الحقيقي لا يكمن في قرار إيقاف عرض مسرحي، بل في استمرار العقلية التي ترى الفن تهمة تحتاج دائماً إلى تبرير ودفاع.