التفاؤل والعمارة... رحلة في كتاب جائزة الآغا خان للعمارة (6)
محمد أدهم السيد
على مدى العقدين الأخيرين، اختُزلت الاستدامة في الخطاب المعماري العالمي إلى لغة تقنية بحتة؛ فباتت الواجهات الذكية، وأنظمة التحكم الرقمية، والتجهيزات الميكانيكية عالية الكفاءة، وبرامج التقييم البيئي، المعيار الأساسي لتقييم المشاريع. ومع أن هذه الأدوات أسهمت في تعزيز الوعي البيئي، إلا أن كتاب "التفاؤل والعمارة"، الصادر عن دار "آركي تانغل" (ArchiTangle GmbH) بالتعاون مع جائزة الآغا خان للعمارة، يقدّم رؤية أكثر شمولية، ويطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تزداد العمارة استدامة كلما اعتمدت على التقنيات الحديثة؟ أم أن الاستدامة قد تتحقق عبر تقليص التدخل، والاعتماد على الموارد القائمة، وتعميق فهم العلاقة بين المكان والزمن والمادة؟
ويشير الكتاب إلى مفارقة مفادها أن الاستدامة حين تتحول إلى "عرض تقني" تصبح مرتبطة بالصورة أكثر من ارتباطها بالاستمرارية الفعلية؛ فالمبنى قد يبدو صديقاً للبيئة لحظة اكتماله، لكنه يظل رهين شبكات تشغيل وصيانة معقدة، وشروط اقتصادية يصعب ضمان استدامتها على المدى البعيد. وفي كثير من المدن، لا سيما خارج المراكز الاقتصادية الكبرى، تصبح هذه الأنظمة عرضة للتعطل أو الاستبدال، فتفقد الاستدامة معناها العملي، وتتحول إلى وعودٍ مرتبطة بلحظة الافتتاح، لا بعقود الاستخدام اليومي.

يقدّم الكتاب مثالاً على مفهوم الاستدامة من خلال مشروع "مكتبة رامي" في إسطنبول، التي أُقيمت داخل ثكنات تاريخية تعود إلى القرن الثامن عشر. ولا تكمن أهمية المشروع في كونه أكبر مكتبة في المدينة فحسب، بل في اعتماده نهج "التدخل الأدنى"؛ إذ لم يتعامل مع المبنى ككتلة تستوجب إعادة التشكيل أو فرض لغة تقنية دخيلة، بل انطلق من احترام خصائصه الأصلية من حيث الامتداد الأفقي، والارتفاعات، والإيقاع الداخلي، والعلاقة بين الفراغات، ثم أعاد توظيفها بعناية دون محو الهوية المعمارية التي راكمها المكان عبر الزمن.
تتجلى الاستدامة هنا بصورة مغايرة، فهي ليست مجرد إضافة منظومات تقنية للمبنى، بل قدرة على التطوير من الداخل. فالحفاظ على الكتلة القائمة لم يكن قراراً تراثياً فحسب، بل موقفاً بيئياً يهدف إلى ترشيد استهلاك المواد، والحد من الهدم، وتقليل الطاقة المهدورة في عمليات إعادة البناء، مع الحفاظ على القيمة العمرانية والثقافية المتراكمة. والأهم أن المشروع لم يضع التكنولوجيا في صدارة المشهد، بل جعل العمارة بكتلتها وموادها وتنظيمها هي أساس الأداء والاستمرارية.
#Analysis#
ومن هنا، يطرح الكتاب فهماً أوسع للتفاؤل البيئي؛ ليس بوصفه رهاناً على الحلول التكنولوجية فحسب، بل كإيمان بقدرة العمارة على الاستمرار عبر المعرفة العميقة بالمكان، واحترام مادتها وذاكرتها ووظيفتها. وبذلك، لا تُقاس الاستدامة بما نضيفه من أنظمة، بل بما ننجح في الحفاظ عليه، وبقدرة المبنى على استيعاب زمن جديد دون أن يفقد منطقه الداخلي.
الراحة كعلاقة، لا كرقم
غالباً ما يختزل الخطاب التقني للاستدامة مفهوم الراحة في منظومة من المؤشرات القابلة للقياس؛ كدرجات الحرارة المحددة، ونسب الرطوبة المحسوبة بدقة، ومعدلات التهوية التي تُفترض كفيلة بضمان "الرفاهية" داخل الفراغ المعماري. غير أن كتاب "التفاؤل والعمارة" يدفع إلى إعادة النظر في هذا الاختزال، مقترحاً مفهوماً أوسع وأكثر إنسانية للراحة؛ فهي ليست حالة ثابتة يمكن ضبطها رقمياً، بل علاقة حيّة ومتغيرة بين الجسد والمكان والزمن.

وفي هذا التصور، لا تُفهم الراحة بوصفها نتاج نظام مغلق، بل تجربة إدراكية وسلوكية تتشكل عبر التفاعل المستمر مع البيئة المحيطة. فالعناصر المعمارية البسيطة - كالظلال المتحركة، والفراغات الانتقالية، وإمكانية التحكم في النوافذ، والتدرج بين الداخل والخارج - ليست تفاصيل ثانوية، بل أدوات جوهرية تتيح للإنسان التكيف ذاتياً بدلاً من الاعتماد الكلي على بيئة ميكانيكية مُصنّعة. ولا يعني هذا التحول رفض التكنولوجيا، بل إعادة صياغة دورها لتكون داعمة للتجربة المعمارية لا بديلة عنها.
يستند التفاؤل الذي يطرحه الكتاب إلى فرضية أساسية: أن الإنسان ليس عنصراً سلبياً يحتاج إلى بيئة مضبوطة كلياً، بل كائن قادر على التفاعل مع محيطه ضمن نطاقات مرنة. ومن هنا، لا تغدو العمارة آلة لإلغاء المناخ، بل وسيطاً لتنظيم العلاقة معه.

يُقدّم الكتاب نموذجاً معبّراً عن هذا المنطق في جناح المغرب بمعرض "إكسبو دبي 2020"؛ حيث لا تُختزل الراحة في أنظمة التكييف المتقدمة أو الحلول التقنية الظاهرة، بل تُبنى أساساً على فهمٍ عميق للمادة والكتلة، واستجابة المبنى للمناخ الصحراوي. يعتمد المشروع على تقنيات البناء بالطين المدكوك، وتنظيم الفراغات بأسلوب يُخفف الحرارة عبر الكتلة الحرارية للمبنى، مع تقليل الاعتماد على الأنظمة الميكانيكية إلى الحد الأدنى.
وهنا، تصبح الراحة نتيجة مباشرة للتفاعل بين العمارة والبيئة، لا نتاج جهاز خارجي يفرض شروطه على الفراغ. فسماكة الجدران، وطبيعة المواد، والتظليل، وانسيابية الهواء؛ كلها عناصر تتضافر لتشكيل بيئة قابلة للعيش ضمن ظروف مناخية قاسية. والأهم أن هذا النمط من الراحة لا يُنتج تجربة جامدة ومغلقة، بل تجربة مرنة تتغير مع الزمن، ومع حركة الضوء والحرارة، وتفاعل الناس مع المكان.

ومن هذا المثال تتضح الفكرة الأوسع التي يطرحها الكتاب: أن ما يُنظر إليه أحياناً بوصفه "تقليدياً" قد يكون في جوهره أكثر تقدماً من الناحية البيئية من بعض الحلول التقنية المعاصرة. فالعمارة الطينية، والأفنية، والتهوية الطبيعية، ليست مجرد أشكال تاريخية، بل هي أنظمة معرفية تراكمت عبر الزمن استجابةً مباشرة للمناخ والسلوك البشري.
وإذا كان التفاؤل البيئي يُعيد تعريف علاقة العمارة بالمناخ والموارد، فإن الكتاب يُعيد توجيه البوصلة نحو الإنسان مباشرة؛ فالمكان المستدام بيئياً لا يحقق غايته ما لم يكن مستداماً اجتماعياً أيضاً. وهنا نصل إلى جوهر الأطروحة الإنسانية للكتاب: العمارة كمسؤولية اجتماعية، حيث يبدأ التفاؤل من الإصغاء، ويتجسد في بناء الثقة، لا في مجرد إنتاج الأشكال.
التفاؤل الذي يبدأ بالإصغاء
تُعدّ المشاركة المجتمعية إحدى الركائز الأساسية التي يستند إليها كتاب "التفاؤل والعمارة" في رؤيته للعمارة بوصفها ممارسة اجتماعية وأخلاقية، تتجاوز كونها مجرد عملية تقنية أو إنتاجاً لشكل معماري متميز. فالتفاؤل الذي يطرحه الكتاب لا ينبع من قدرة العمارة على تشييد المباني فحسب، بل من قدرتها على بناء جسور الثقة بين الإنسان والمكان، وإشراك المجتمع في صياغة مستقبله العمراني. ومن هذا المنطلق، تتحول المشاركة المجتمعية من مجرد مرحلة استشارية تسبق التصميم إلى منهج عمل متكامل يواكب المشروع منذ لحظة تحديد احتياجات المجتمع وحتى تشغيله وضمان استدامته.

ويؤكد الكتاب أن الإصغاء الحقيقي للسكان هو الخطوة الأولى نحو عمارة أكثر عدالة واستدامة؛ إذ لا يمكن ابتكار حلول معمارية ناجحة دون استيعاب السياق الثقافي والاجتماعي والاقتصادي المحيط. فالمجتمع المحلي يمتلك معرفة متراكمة بالمكان وأنماط استخدامه، ويحمل ذاكرة جماعية وقيماً ثقافية لا يمكن للمصمم إدراكها من خلال الدراسات التقنية وحدها. لذا، يصبح إشراك السكان والحرفيين والجهات المحلية في حوارات التخطيط وصنع القرار وسيلةً لإنتاج معرفة مشتركة تُسهم في صياغة حلول أكثر ارتباطاً بالواقع وأدوم أثراً. وفي هذا الإطار، لا يفرض المعماري رؤيته كحلٍّ أوحد، بل يؤدي دور الميسّر الذي يجمع الخبرات المتنوعة ليحولها إلى مشروع يعبّر عن تطلعات المجتمع ويستجيب لاحتياجاته.
وتتجلى هذه الفلسفة بوضوح في مشروع المركز المجتمعي لقرية "ووسوتو" الغربية في الصين؛ حيث لم يقتصر النجاح على إعادة استخدام الطوب والمواد المحلية كخيار بيئي، بل امتد ليشمل خلق فضاء مجتمعي يعزز التفاعل بين السكان ويستوعب الأنشطة الثقافية والاجتماعية. إن إعادة توظيف المواد المتاحة لم تكن قراراً تقنياً فحسب، بل تعبيراً عن احترام ذاكرة المكان وتوظيف موارده، مما يعكس الترابط الوثيق بين المشاركة المجتمعية والاستدامة البيئية. وهكذا، يصبح المجتمع شريكاً في الحفاظ على الموارد كما هو شريك في إنتاج المكان، ويغدو المشروع نموذجاً يُثبت أن التفاؤل البيئي والاجتماعي يتحققان معاً عبر نهج تشاركي يوازن بين حماية البيئة وتعزيز الانتماء.

وتتكرر هذه الرؤية في عدد من المشاريع العربية التي يستعرضها الكتاب، حيث تبرز المشاركة المجتمعية كعنصر حاسم في نجاح التدخلات العمرانية. ففي مشروع إعادة إحياء مدينة إسنا التاريخية في مصر، لم يقتصر الهدف على ترميم المباني، بل امتد ليشمل تنشيط الحرف التقليدية، وتحسين الفضاءات العامة، وتعزيز ارتباط السكان بمدينتهم، مما أسهم في استعادة الحيوية الاقتصادية والاجتماعية للمكان. وفي مشروع "مجلس العجب" في بيت لحم، صُممت الفراغات لتكون مرنة وقابلة للاستخدام من قبل مختلف فئات المجتمع، لتتحول إلى منصة للتعليم والإنتاج والأنشطة الثقافية، وهو ما يعكس إيماناً بأن العمارة تكتسب قيمتها من الاستخدام المجتمعي المستمر لا من شكلها المعماري فحسب. أما في مشروع إعادة تأهيل ساحة "للا يدّونة" في فاس، فقد استعاد الفضاء العام دوره كمساحة للتفاعل والحوار والأنشطة اليومية، بدلاً من اقتصاره على كونه معلماً تاريخياً أو مقصداً سياحياً، مما عزز حضور المجتمع في صناعة الحياة الحضرية.

وخلاصة القول، يوضح الكتاب أن المشاركة المجتمعية ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق استدامة شاملة تتكامل فيها الأبعاد البيئية والاجتماعية والثقافية. فكلما تعزز شعور السكان بملكية المشروع ومشاركتهم في تشكيله، ارتفعت فرص المحافظة عليه واستمرارية استخدامه، وانخفضت احتمالات تهميشه أو فقدانه لوظيفته. وبهذا المعنى، تصبح المشاركة المجتمعية استثماراً في رأس المال الاجتماعي بقدر ما هي استثمار في البيئة العمرانية؛ فهي تعزز الثقة، وتقوي الروابط بين الأفراد، وترسخ الإحساس بالمسؤولية المشتركة تجاه المكان.

تختتم رحلتنا في كتاب "التفاؤل والعمارة" لتبين أن التفاؤل الذي يدعو إليه الكتاب ليس مجرد حالة ذهنية أو خطاباً مثالياً، بل هو منهج عمل يتجسد في كل قرار تصميمي يراعي الإنسان والبيئة والثقافة معاً. ومن خلال النماذج التي استعرضها الكتاب من آسيا وإفريقيا والعالم العربي، تتبلور رؤية للعمارة بوصفها ممارسة مسؤولة قادرة على ترميم العلاقة بين الإنسان ومحيطه، وتعزيز المشاركة المجتمعية، والحفاظ على الموارد، وصون الهوية المحلية، مع الانفتاح في الوقت نفسه على الابتكار والمعرفة المعاصرة. ويؤكد الكتاب أن جودة العمارة لا تُقاس بفرادتها الشكلية أو تعقيدها التقني، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس، وخلق أماكن أكثر عدالة ومرونة واستدامة.
ولعل أهم ما تتركه هذه الرحلة هو الإيمان بأن التفاؤل في العمارة ليس وعداً بمستقبل مثالي، بل هو ثقة بقدرة التصميم الواعي على إحداث تغيير تراكمي يبدأ من فهم المكان، والإصغاء إلى الإنسان، والعمل مع المجتمع لا نيابة عنه. وفي عالم يواجه تحديات متزايدة تتعلق بالمناخ، والتحضر، والعدالة الاجتماعية، يقدم الكتاب دعوة لإعادة تعريف دور المعماري؛ ليس بوصفه صانعاً للمباني فحسب، بل شريكاً في بناء مستقبل أكثر إنسانية واستدامة.