التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي: من حفظ المعرفة إلى بناء الإنسان

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

*د. انور كوثراني

ليست الحضارات وحدها هي التي غيّرت التعليم، بل كان التعليم نفسه أحد أهم العوامل التي مكّنت الحضارات من الوجود والاستمرار. وإذا كانت المرحلة الأولى من تاريخ التربية قد انشغلت بالسؤال الأكثر إلحاحًا في حياة الإنسان، أي كيفية البقاء على قيد الحياة، فإن نجاح الإنسان في مواجهة هذا التحدي لم يكن نهاية رحلته، بل بداية تحوّل حضاري بالغ الأهمية.

 

عندما بدأ الإنسان يستقر تدريجاً بعد الثورة الزراعية، التي ظهرت في مناطق متعددة من العالم، ومن بينها منطقة الهلال الخصيب منذ نحو 10 آلاف سنة قبل الميلاد، لم تتغير طريقة عيشه فحسب، بل تغيرت أيضاً طبيعة المشكلات التي واجهها. فقبل الاستقرار، كانت التربية تعلّم الطفل كيف يصطاد، ويشعل النار، ويتعرف إلى النباتات، ويحتمي من الأخطار. أما بعد الاستقرار، فقد برز تحدٍّ جديد أكثر تعقيداً، تمثل في كيفية الحفاظ على المعرفة التي راكمتها الجماعات البشرية ونقلها إلى الأجيال التالية.

 

في المجتمعات الصغيرة، كانت المعرفة محدودة نسبياً، وكان انتقالها يتم بصورة مباشرة وشفهية من الآباء إلى الأبناء، ومن كبار السن إلى الأجيال الجديدة. ولم تكن خسارة فرد واحد تعني بالضرورة خسارة جزء كبير من معرفة المجتمع، لأن الخبرات المتداولة كانت في الغالب مرتبطة بالحياة اليومية وموزعة بين أفراده. أما مع الزراعة والاستقرار، فقد بدأت المعرفة تتراكم بوتيرة أسرع، وأصبحت كل سنة تضيف خبراتٍ جديدة في الزراعة والري والتخزين والبناء والتجارة والعلاج وإدارة الموارد وتنظيم العلاقات داخل المجتمع.

 

ولأول مرة، أصبحت المعرفة أكبر من أن تحملها ذاكرة الفرد وحده. فإذا مات المزارع الخبير، كان من الممكن أن تضيع معه معرفة دقيقة بمواسم الزراعة وخصائص التربة، وإذا رحل البنّاء فقد تختفي أسرار اكتسبها خلال سنوات طوال، وإذا فقد المجتمع معالجه أو طبيبه فقد يفقد معه معرفة متراكمة بالأعشاب والأمراض ووسائل العلاج. وهكذا أصبح موت الإنسان يعني، في بعض الحالات، احتمال موت جزء من المعرفة التي يحملها، وانتقل أحد الأخطار التي تواجه المجتمعات البشرية من فناء الإنسان وحده إلى احتمال فناء المعرفة أو انقطاع انتقالها بين الأجيال.

 

ناقش عدد من المؤرخين والباحثين، وبينهم Jared Diamond في كتابه Guns, Germs, and Steel، وYuval Noah Harari في كتابه Sapiens، الآثار العميقة للثورة الزراعية في حياة الإنسان. ورغم اختلاف الباحثين في تقييم نتائجها، يتفق كثيرون منهم على أنها لم تكن مجرد تحول اقتصادي، بل ساهمت في نشوء مجتمعات أكثر تعقيداً احتاجت إلى أنظمة جديدة لتنظيم العمل، وحفظ الخبرات، وإدارة الموارد، ونقل المعرفة.

 

ولا يعني ذلك أن جميع الحضارات سلكت مساراً تاريخياً واحداً، أو أن هذه التحولات حدثت في جميع المناطق في الوقت نفسه. فقد تطورت المجتمعات بسرعات مختلفة، وتداخلت فيها مراحل الصيد والزراعة والتجارة والتمدّن، إلا أن القاسم المشترك بينها كان ازدياد الحاجة إلى حفظ الخبرة الإنسانية ونقلها بصورة تتجاوز حدود الذاكرة الفردية. وفي هذه المرحلة بدأت التربية تؤدي وظيفة جديدة؛ فلم تعد مهمتها مساعدة الإنسان على التكيف مع الطبيعة فحسب، بل أصبحت أيضاً مسؤولة عن حماية الذاكرة الجماعية للمجتمع.

 

ولعل هذه إحدى اللحظات الأساسية التي مهّدت لولادة الحضارة. فالحضارة ليست مجرد مبانٍ شاهقة، أو جيوش قوية، أو ثروات كبيرة، بل هي، في أحد أعمق معانيها، قدرة المجتمع على أن يجعل كل جيل يبدأ من حيث انتهى الجيل السابق، بدلًا من العودة في كل مرة إلى نقطة الصفر. وقد عبّر المؤرخ Will Durant في كتاباته عن الحضارة بوصفها تراكماً منظماً للخبرات والإنجازات الإنسانية، وهو تراكم لا يمكن أن يستمر من دون وسائل ومؤسسات تحفظ المعرفة وتنقلها وتعيد تطويرها.

 

ومن هنا بدأت فلسفة التربية تتغير. ففي مرحلة البقاء، كان التعلم يهدف أساساً إلى التكيف مع البيئة، أما في مرحلة المعرفة فأصبح وسيلة لفهم البيئة وتنظيمها، ثم محاولة تغييرها وإعادة تشكيلها. ولم يعد الإنسان يكتفي بمراقبة الطبيعة، بل بدأ يصفها بلغته، ويقيس ظواهرها، ويضع القواعد لتنظيم حياته، ويطور الأدوات التي تمكّنه من التعامل معها.

 

ومثّل ظهور الكتابة في جنوب بلاد الرافدين نحو 3200 قبل الميلاد نقطة تحولٍ حاسمة في هذه الرحلة. فالكتابة لم تظهر في بدايتها لأغراض أدبية أو فلسفية فقط، بل ارتبطت أيضاً بتسجيل المحاصيل والضرائب والديون والمعاملات وشؤون الإدارة. ومعها أصبحت المعرفة قابلة للتسجيل خارج الذاكرة البشرية، ولم يعد حفظ الخبرة مرتبطاً ببقاء الشخص الذي يحملها، إذ أصبح من الممكن تدوينها ومراجعتها ونقلها إلى أشخاص لم يلتقوا صاحبها، وإلى أجيال لم تولد بعد. وهكذا لم تغيّر الكتابة طريقة التواصل فحسب، بل غيّرت علاقة الإنسان بالزمن والمعرفة.

 

صورة تعبيرية مصممة بالذكاء الاصطناعي  (شات جي بي تي)

 

المدرسة بوصفها حارسة للمعرفة
لا يزال هذا التحول التاريخي يحدد طبيعة مدارسنا حتى اليوم. فمعظم النظم التعليمية الحديثة قامت، بدرجات متفاوتة، على فكرة أن المدرسة هي المكان الذي تُنظم فيه المعرفة، وأن المعلم مسؤول عن شرحها، وأن الكتاب يمثل أحد أهم مصادرها، وأن الامتحان يقيس مقدار ما فهمه الطالب أو احتفظ به منها.

 

ولم يكن هذا النموذج خطأ في ذاته، بل كان استجابة ناجحة لمشكلة تاريخية حقيقية، حين كانت المعرفة نادرة، والمخطوطات قليلة، والوصول إلى الكتب محدوداً، وضياع المعرفة يهدد استمرارية المجتمعات. غير أن التاريخ يوضح أن كل نظام تعليمي يُبنى استجابةً لمشكلات عصره لا يبقى بالضرورة مناسباً للعصر الذي يليه.

 

وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في تاريخ التعليم. فالمدرسة التي ساهمت في إنقاذ المعرفة من الضياع عبر قرون طويلة تجد نفسها اليوم في عالم لم تعد المعرفة فيه نادرة بالمعنى التقليدي، بل أصبحت متدفقة ومتعددة ومتاحة بسرعات غير مسبوقة. ومع ذلك، لا يعني هذا التحول أن مشكلة الوصول إلى المعرفة انتهت في جميع المجتمعات، إذ لا تزال مناطق كثيرة من العالم تعاني ضعف الوصول إلى المدارس الجيدة والكتب والتكنولوجيا والإنترنت والمعلمين المؤهلين.

 

لذلك، لا يمكن القول إن نقص المعرفة لم يعد مشكلة على الإطلاق. والأدق أن المشكلة الأساسية، في أجزاء واسعة من العالم، لم تعد نقص المعلومات وحده، بل أصبحت تشمل أيضاً القدرة على التحقق منها وفهمها والتمييز بين الصحيح والزائف وتوظيفها بصورة أخلاقية ومسؤولة.

 

وتشير منظمة UNESCO في تقريرها Reimagining Our Futures Together الصادر عام 2021 إلى ضرورة إعادة تصور التعليم بوصفه مشروعاً اجتماعياً وإنسانياً، لا مجرد وسيلة لنقل المعلومات. كما يركز إطار OECD Learning Compass 2030 على أن قيمة التعليم لا تُقاس فقط بكمية المعلومات التي يحفظها المتعلم، بل بقدرته على توظيف المعرفة والتعاون مع الآخرين وتحمل المسؤولية والتعامل مع المشكلات المعقدة.

 

ويضع هذا التحول المدرسة أمام تحدٍ جوهري في عصر الذكاء الاصطناعي. فإذا كانت التربية من أجل المعرفة قد نجحت تاريخياً لأنها أتاحت انتقال المعرفة من جيل إلى آخر، فإن وظيفة المدرسة تحتاج اليوم إلى أن تُفهم في ضوء قدرة الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي على الوصول إلى المعلومات وتلخيصها وإعادة إنتاجها خلال ثوانٍ. والإجابة عن هذا التحدي لا تبدأ من التكنولوجيا وحدها، بل من فهم المؤسسة التي حملت رسالة المعرفة عبر آلاف السنين: المدرسة.

 

لماذا ظهرت المدرسة في تاريخ الحضارات؟


لم تظهر المدرسة لأن الإنسان بدأ يحب التعلم فجأة، بل لأنها أصبحت إحدى الوسائل الأساسية لتنظيم المعرفة وحماية استمرارية المجتمع. فالإنسان كان يعلّم أبناءه قبل ظهور المدارس الرسمية بآلاف السنين، وكان الأسرة والقبيلة والحرفيون ورجال الدين وكبار السن يمثلون المؤسسات التعليمية الأولى في التاريخ. ولم يكن الطفل بحاجة إلى مبنى يسمى "مدرسة" لكي يتعلم الزراعة أو الصيد أو صناعة الأدوات أو عادات مجتمعه.

 

ولا توجد إجابة واحدة تختصر نشأة المدرسة بسبب وحيد. فقد ارتبط ظهور المؤسسات التعليمية المنظمة بالحاجة إلى إدارة الدولة، وتعليم الكتابة والحساب، وإعداد رجال الدين، وتدريب الموظفين، وحفظ القوانين، ونقل القيم، وتنظيم المعرفة، وإعداد أفراد قادرين على أداء وظائف متخصصة. وكان العامل المشترك في هذه التحولات أن المعرفة أصبحت أكبر من أن يحملها الأفراد وحدهم، فيما أصبحت المجتمعات أكثر تعقيداً من أن تُدار بالخبرة الشفهية فقط.

 

فكلما اتسعت الحضارات، ازدادت مسؤولياتها وتعقدت شؤونها. ظهرت القوانين، ونُظمت التجارة، واتسعت شبكات الري، وكبرت المدن، وتعددت المهن، وأصبحت الدولة تحتاج إلى كتبة وقضاة ومحاسبين ومهندسين وأطباء وإداريين. ولم تعد الخبرة الشخصية وحدها كافية لإدارة مجتمع معقد، كما أصبح استمرار الدولة يعتمد، جزئياً، على استمرار المعارف والإجراءات والسجلات أكثر من اعتماده على بقاء الأشخاص أنفسهم. وفي هذا السياق ظهرت المدرسة بوصفها إحدى أهم المؤسسات التي نظمت عملية نقل المعرفة.

 

من منظور تاريخي، لم تكن المدرسة أول مؤسسة للتعليم، لكنها كانت من أوائل المؤسسات التي جعلت التعليم منظماً ومقصوداً ومتخصصاً. ففي بلاد الرافدين، ظهرت مدارس الكتبة بصورة أكثر تنظيماً خلال الألف الثالث قبل الميلاد، وكان بين وظائفها تعليم الكتابة المسمارية والحساب وتسجيل المعاملات وإدارة شؤون الدولة. ولم يكن الهدف منها تعليم جميع أفراد المجتمع، بل إعداد فئة محدودة من الكتبة والإداريين القادرين على خدمة المعابد والقصور والمؤسسات الحكومية.

 

وفي مصر القديمة، تعلّم الكتبة تسجيل الضرائب وحفظ السجلات وقياس الأراضي بعد فيضان النيل وتوثيق شؤون الدولة. أما في الصين، فقد ارتبط التعليم في مراحل تاريخية مختلفة بإعداد المسؤولين القادرين على إدارة الإمبراطورية، وأصبح التفوق في التعلم والامتحانات طريقاً إلى بعض المناصب العامة. وبذلك كانت المدرسة، في كثير من الحضارات، ابتكاراً إدارياً ودينياً وسياسياً بقدر ما كانت مؤسسة تربوية.

 

غير أن المدرسة لم تكن عبر التاريخ مؤسسة محايدة أو متاحة للجميع دائماً. فكما حفظت المعرفة، حددت أحياناً من يحق له الوصول إليها، وكما ساهمت في نقل الثقافة، خدمت في بعض المراحل مصالح النخب السياسية أو الدينية أو الاقتصادية. وكان التعليم المنظم في حضارات كثيرة مقتصراً على فئات معينة، بينما استُبعدت منه فئات واسعة بسبب الطبقة الاجتماعية أو الجنس أو المكانة الاقتصادية. ولذلك فإن تاريخ المدرسة ليس قصة تقدم متواصل فقط، بل هو أيضاً تاريخ للصراع حول ملكية المعرفة والحق في الوصول إليها.

 

المدرسة بين نقل المعرفة وإعادة إنتاج المجتمع


يرى عالم الاجتماع Émile Durkheim أن التربية لا تقتصر على نقل المعلومات، بل تؤدي دوراً في نقل قيم المجتمع وقواعده وثقافته بين الأجيال. فكل مجتمعٍ يبني نظامه التعليمي بطريقة تعكس تصوره للإنسان الصالح، والمواطن المقبول، والمعرفة التي يعتبرها جديرة بالتعلم.

 

ومن هذا المنظور، لم تكن المدرسة مكاناً لتجميع الطلاب فحسب، بل كانت أيضاً فضاءً تُحفظ فيه ذاكرة المجتمع، وتُعاد من خلاله صياغة هويته وقيمه وتوقعاته. غير أن هذا الدور يحمل وجهين؛ فقد تساعد المدرسة على بناء الانتماء والتماسك الاجتماعي، وقد تتحول في المقابل إلى وسيلة لتكرار التفاوتات القائمة إذا لم تمنح جميع المتعلمين فرصاً عادلة. ولهذا لم يعد السؤال التربوي المعاصر مقتصراً على قدرة المدرسة على نقل المعرفة، بل امتد إلى طبيعة المعرفة التي تنقلها، والفئات التي تصل إليها، والطريقة التي تُنقل بها، والغاية من تعليمها.

 

وفي قلب هذه المنظومة التاريخية برز المعلم بوصفه أميناً على المعرفة ومرشداً إلى معناها. فعندما ننظر إلى مكانة المعلم في الحضارات القديمة، ندرك أن احترامه لم يكن نابعاً من مكانته الاجتماعية فقط، بل من طبيعة المهمة التي كان يؤديها. لم يكن مجرد ناقل للمعلومات، بل كان من بين الأمناء على الذاكرة الإنسانية، وكان الخطأ في نقل المعرفة قد يعني خطأ في الحساب أو الإدارة أو تفسير النصوص أو تطبيق القوانين أو ممارسة المهنة.

 

لهذا ارتبط التعليم عبر التاريخ بالدقة والانضباط والتكرار والحفظ. وقد تبدو هذه الممارسات تقليدية اليوم، لكنها كانت في عصور سابقة ضرورة حضارية. فقبل انتشار الطباعة الحديثة في أوروبا نحو 1450 ميلادية، وقبل المكتبات العامة الواسعة والإنترنت والمنصات الرقمية، كان المعلم في كثير من الأحيان يمثل "مكتبة حية" تحمل المعرفة وتشرحها وتنقلها.

 

ويساعد فهم هذه الحقيقة على تجنب خطأ شائع في نقد التعليم التقليدي. فكثير من الممارسات التي ننتقدها اليوم لم تكن بالضرورة خاطئة عندما ظهرت، بل كانت حلولاً مناسبة لمشكلات عصرها. غير أن نجاح هذه الحلول في الماضي لا يعني بالضرورة قدرتها على الاستجابة لمتطلبات المستقبل.

 

دور المدرسة في عصر الذكاء الاصطناعي

إذا كانت المدرسة قد أدت تاريخياً دوراً أساسياً في حفظ المعرفة وتنظيمها عندما كان الوصول إليها محدوداً، فإن التحولات الراهنة تفرض إعادة النظر في طبيعة هذا الدور. ففي الماضي، كان الطالب يذهب إلى المدرسة لأنها كانت من الأماكن القليلة التي يستطيع أن يجد فيها المعرفة المنظمة. أما اليوم، فإن المعرفة ترافقه في هاتفه الذكي، وفي المكتبات الرقمية، ومقاطع الفيديو، والمنصات التعليمية، ومحركات البحث.

 

وأصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على شرح المفاهيم، وترجمة النصوص، وتلخيص الكتب، وتوليد الأفكار، والإجابة عن الأسئلة خلال ثوانٍ. غير أن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الفهم؛ فقد يصل المتعلم إلى آلاف الإجابات، لكنه يظل بحاجة إلى معرفة أيها أكثر دقة، وأيها يستند إلى دليل، وأيها يحاول تضليله، وأيها يمكن تطبيقه بطريقة مسؤولة. ولذلك، فإن التحدي الجديد لا يتمثل في فيض المعرفة وحده، بل في فيض المعلومات غير المتساوية في جودتها وموثوقيتها.

 

وتؤكد UNESCO في دعوتها إلى إعادة تصور التعليم أن وظيفة المدرسة في القرن الحادي والعشرين يجب أن تتجاوز نقل المعرفة إلى بناء القدرة على التفكير والتعاون والحكم الأخلاقي والتعلم المستمر. كما يشير OECD Learning Compass 2030 إلى أهمية مفهوم Student Agency، أي قدرة المتعلم على اتخاذ القرارات، وتحمل المسؤولية، والمشاركة الواعية في تشكيل حياته ومجتمعه.

 

ومن هنا، لا يعني انتشار المعلومات والذكاء الاصطناعي أن المدرسة فقدت أهميتها، وإنما يعني أنها لم تعد مطالبة بأن تكون مستودعاً للمعلومات فقط. فإذا كان الماضي قد احتاج إلى مدرسة تحفظ المعرفة، فإن الحاضر يحتاج إلى مدرسة تساعد المتعلم على فهم المعرفة ونقدها واختبارها وتطبيقها وربطها بالقيم والمسؤولية.

 

ويحتاج عصر الذكاء الاصطناعي إلى مدرسة تنمي التفكير النقدي، وتعزز الإبداع، وتبني الشخصية، وتغرس القيم، وتدرب المتعلم على التعاون، وتساعده على التمييز بين الحقيقة والتضليل. كما يحتاج إلى مدرسة تحمي الإنسان من أن يتحول إلى مجرد مستهلك لما تنتجه الخوارزميات. فالآلة تستطيع أن تقدم إجابة، لكنها لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن استخدامها، وقد تستطيع توليد نص، لكنها لا تحدد وحدها ما إذا كان هذا النص عادلاً أو صادقاً أو إنسانياً. كما يمكنها معالجة كميات ضخمة من المعلومات، من دون أن تعفي الإنسان من مسؤولية التفكير والحكم واتخاذ القرار.

 

لهذا لم تفقد المدرسة أهميتها، بل أصبحت مهمتها أكثر تعقيداً. فإذا كنا ما زلنا نقيس جودة المدرسة بعدد الصفحات التي يحفظها الطالب، أو بعدد الحقائق التي يستطيع استرجاعها في الامتحان، فإننا نطلب منها التركيز على مشكلة لم تعد المشكلة الوحيدة في عصرنا.

 

أما إعداد المتعلمين لعصر الذكاء الاصطناعي فيقتضي أن تصبح قدرة الطالب على التحقق مما يقرأ، والتمييز بين الدليل والرأي، واستخدام المعرفة في حل المشكلات، والتعامل مع التكنولوجيا بوصفها أداة لا بديلاً من التفكير، وجزءاً أساسياً من وظيفة التعليم. كما يصبح المعيار الأهم هو قدرة المتعلم على التفكير في ما يعرفه، بدل الاكتفاء بتكرار ما يعرفه الآخرون.

 

إن مستقبل التعليم لن تحدده سرعة أجهزة الحاسوب وحدها، بل شجاعة الأنظمة التعليمية في إعادة تعريف وظيفة المدرسة، وقدرتها على الجمع بين المعرفة والقيم، وبين التكنولوجيا والإنسان، وبين الكفاءة والعدالة.
ويمهد هذا التحول لمرحلة تاريخية أخرى في تطور التربية، عندما لم تعد الحضارات تكتفي بحفظ المعرفة ونقلها، بل بدأت تستخدمها بوصفها قوة قادرة على إنتاج عالم جديد.

 

ومن هنا يبرز الانتقال إلى سؤال آخر يتعلق بكيفية تحول المعرفة من قيمة ثقافية وحضارية إلى قوة اقتصادية، وكيف مهّد ذلك الطريق للثورة الصناعية الأولى، التي امتدت تقريباً من النصف الثاني من القرن الثامن عشر إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، ولولادة "التربية من أجل الصناعة".

*عميد كلية التربية في الجامعة اللبنانية الدولية

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية