التعافي المستحيل

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

جان-كلود سعاده

 

أن نتوقع من نفس التركيبة ونفس منظومة السلطة إصلاح ما أفسدته وإعادة ما نهبته هو ضرب من الخيال.
لقد أثبتت التجربة وسنوات طويلة من الوقت الضائع والفرص الضائعة أن لبنان غير قادر على التعافي والتحوّل الى دولة طبيعيّة بقدراته الذاتيّة فقط.

ولو أنه زمن عجائب، لكُنّا إنتظرنا تدخّلاً إلهياً. لكن الواقع غير ذلك، والإستمرار في شراء الوقت وإدارة الأزمة من جيل الى جيل هو ظلم للمواطنين وضياع للوطن. 

1 -في السياسة

35 سنة من جمهورية الطائف أوصلتنا الى ما نعيشه اليوم من دولة فاشلة ومؤسسات لا تعمل ولا تريد ان تعمل وسلطات مفرغة من أدوارها الحقيقية فتؤدي أدوار فولكلورية او شكلية دون فعالية ولا إنتاجية تذكر.

أمّا الدعوات للعودة الى الطائف وإعادة تطبيقه بحذافيره فهي من باب "تجربة المُجرّب". فاتفاق الطائف الذي أتى في توقيت وظروف معيّنة تحقق منه ما يمكن تحقيقه، فلا الاتفاق كان مثالياً ولا تطبيقه كان كاملاً. بكلام آخر، هذا ما أنتجه إتفاق الطائف بخيره وشرّه وربط قيامة البلد بنص إتفاق من زمن آخر هو غير واقعي.

2 - في السيادة

صَحَوات السيادة على أحقيتها وبديهيّتها في أي دولة طبيعية تبدو في لبنان وكأنها من ضمن اللعبة السياسية والتجاذبات بين المجموعات المختلفة. فخلال عشرين سنة مضت ولبنان خالٍ عملياً من الوجود الأجنبي لم تكن مسألة السيادة أولوية ومطروحة بهذا الشكل. بل كان الهمّ الأول لدى التحالفات الحاكمة هو المحاصصة وتقاسم التعيينات والمنافع وتعطيل البلد سنوات من أجل تشكيل حكومات أعمارها لا تتجاوز مدة تشكيلها.

 

من هنا ضرورة ان يسأل اللبنانيون أنفسهم الأسئلة الأساسية لنعرف ما إذا كانوا متفقين على البقاء في دولة واحدة وما هو شكل هذه الدولة ونوع النظام الأفضل لإدارة أمورها. فلا يمكن لدولة ان تعيش وتتطوّر وفي داخلها دولة ثانية بشكل دائم. فإمّا الإتفاق على بناء دولة واحدة ونظام يدير التنوّع ويؤمّن حياة أفضل للجميع، وإما البحث في الانفصال وإن كان أبغض الحلال.

هنا لا بد ان نذكّر بان الوحدة لا تعني بالضرورة التطابق التامUnity does not require Uniformity، فلبنان ليس الدولة الوحيدة التي تضم مجموعات متنوعة ، وتاليا هناك أنظمة حكم ملائمة لجميع هذه التركيبات السكانية. لكن إذا لم يكن هناك اتفاق على وحدة الدولة وسيادتها ودورها فلا ينفع الحديث عن كيفية ادارتها. فاللبنانيون، "على شطارتهم" المعروفة، لم يخترعوا شكل الدولة الحديثة وليس لديهم الوقت ولا رفاهية التجربة لأشكال هجينة من الدول تختلف عن ما توصلت اليه جميع التجارب البشرية حتى الآن.

 

 

احتجاجات مطلبية

 

3 - في المال والإقتصاد

يبدو ان منظومة السلطة التي فشلت في مجال السياسة وفي تحصين السيادة هربت الى مجال المال والإقتصاد. وبما ان طبيعة الناس لا تتغير، فالذي فشل في بناء دولة وفشل أيضاً في الحفاظ على السيادة كانت ممارساته ونتائجه في مجال المال والإقتصاد أكثر من كارثية.
فلا ينفع التذكير بتجارب سنغافورة وكوريا الجنوبية ولا دبي ولا ايسلندا ولا أية امثلة أخرى، فما إقترفته المنظومة السياسية-المالية من أزمة مالية مصرفية يفوق الوصف والخيال.

من ناحية صرفت هذه المنظومة مئات مليارات الدولارات خلال ثلاثين عاماً على "لا شيء" فلا بنى تحتية ولا كهرباء ولا طرقات ولا نقل ولا اتصالات حديثة ولا شيء على الإطلاق. إنه فعلاً إعجاز يفوق قدرة العقل على الفهم.

 

لكن إبداع المنظومة لم يقف عند نهب وهدر الموارد والاستدانة المفرطة على مدى سنوات، فبعد السرقات والسمسرات والعمولات قررت المنظومة سرقة ودائع الناس في المصارف واستعمال السلطة للتفنن بالنهب: من تسديد قروض بأقل من قيمتها  الى الدعم وصولاً الى صيىرفة. وفي نفس الوقت تم تعطيل القضاء خلال سبع  سنوات عن محاسبة المفلسين والسارقين. ولإستكمال المشهد السوريالي، جاءت هذه الحكومة الحالية لتضع اسوأ مشروع قانون لشطب وتذويب الودائع عبر الوقت وأحالته بكل خُبث على المجلس النيابي.

ما نعيشه اليوم من تحلّل للدولة وتغوّل للسلطة يثبت بما لا يقبل الشك ان لبنان غير قادر على التعافي بقدراته الذاتية واصبح بحاجة الى مساعدة عاجلة لتنظيف القديم وبناء الجديد على جميع الصعد الوطنيّة والسياسية والنقدية والإقتصادية والإجتماعيّة.

 

فمن أين تأتي هذه المساعدة؟


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية