التصويت الأخير
كل سلطة تستطيع أن تبني طرقاً، وموانئ، ومناطق صناعية، وحتى مدناً جديدة. لكن السلطة التي تستحق الإعجاب حقاً هي تلك التي تجعل أبناءها يؤجلون فكرة الرحيل، لا لأنهم عاجزون عن المغادرة، بل لأنهم يجدون في أوطانهم ما يستحق البقاء. فنجاح الدولة لا يُقاس بحجم ما تصبّه من الإسمنت في الأرض، وإنما بمقدار ما تزرعه من يقين في نفوس الناس. وحين يتحول البحر إلى مشروع حياة، بينما تتحول اليابسة إلى عبء، فإن الأزمة لم تعد أزمة اقتصاد، بل أزمة معنى؛ أزمة في العلاقة بين الإنسان ووطنه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يهاجر شبابه، بل أن يفقدوا خيالهم السياسي، فلا يعودون يرون الخلاص ممكناً إلا خارج الحدود. عند تلك اللحظة، تصبح قوارب النجاة، والأسلاك الشائكة، والمعابر الحدودية، أكثر صدقاً في قراءة الواقع من كل الخطب، والمؤشرات، والاحتفالات الرسمية. فالتاريخ لا يحاكم الدول بما أعلنته عن نفسها، بل بما جعلت مواطنيها يشعرون به. وكل وطنٍ يبلغ مرحلةً يصبح فيها الفرار حلماً جماعياً، يحتاج إلى مراجعة عميقة لأسئلة الشرعية، والعدالة، والكرامة، قبل أن يبحث عن حلول أمنية أو دبلوماسية لأعراض أزمةٍ بدأت، في حقيقتها، من الداخل.
ثم دعونا نسأل أنفسنا، بعيداً عن لغة الأرقام والسياسة: هل نحن واثقون أن بين أولئك الذين يركضون نحو البحر لا يوجد منصف السلاوي آخر كان يمكن أن يقود ثورة علمية جديدة؟ ولا كوثر حفيظي أخرى كان يمكن أن تتصدر مختبرات العالم؟ هل نعرف يقيناً أن بينهم لا يوجد مهندس سيبني، أو طبيب سيكتشف علاجاً، أو فيلسوف سيعيد صياغة أسئلة هذا الوطن؟ وهل نستطيع أن نجزم أن أحد أولئك الفتيان لم يكن رأس الحربة الذي ظل المنتخب المغربي يبحث عنه في مونديال قطر 2022، ثم في مونديال الولايات المتحدة 2026؟ كم موهبةً يجب أن نفقدها قبل أن ندرك أن أعظم ثروة لأي أمة ليست ما تستخرجه من أرضها، بل ما تحتضنه من عقول أبنائها؟ فالأوطان لا تنهض لأنها تُنفق على الإنسان، بل لأنها ترفض أن تخسره.
كنت أظن أن الخطاب الملكي الأخير سيدفع الشباب إلى شكلٍ آخر من التفاعل؛ إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية، وإلى المشاركة في رسم مستقبلهم عبر صناديق الاقتراع، وإلى الإيمان بأن التغيير، مهما كان بطيئاً، يبدأ من داخل الوطن. لكن ما حدث كان النقيض تماماً. لم يتجه كثيرون نحو مكاتب التسجيل، بل نحو البحر. لم يتهيأوا للمشاركة في الانتخابات، بل للمغامرة بحياتهم. وذلك، في حد ذاته، ليس مجرد موقف من واقع اقتصادي أو اجتماعي، بل رسالة سياسية بالغة القسوة: حين يفقد الإنسان ثقته في جدوى البقاء، يصبح الرحيل هو تصويته الأخير.