التصعيد الإيراني في اليمن: انتهاك السيادة واختبار الإرادة الدولية
السفير عبد الله عبد الكريم الدعيس*
أعاد تسيير رحلة جوية مباشرة من طهران إلى مطار صنعاء، وما رافقها من مؤشرات على احتمال نقل خبراء وتقنيات ذات طبيعة عسكرية، القضية اليمنية إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، لا باعتبارها حادثة مرتبطة بحركة الطيران، بل بوصفها اختباراً جديداً لمدى قدرة المجتمع الدولي على حماية سيادة الدول وإنفاذ قراراته الملزمة.
فالتطور الأخير لا يعكس مجرد خرق للأجواء اليمنية، بل محاولة لفرض واقع سياسي وأمني جديد يمنح جماعة الحوثي مزيداً من الشرعية الفعلية، ويكرّس استمرار التدخل الإيراني في الشأن اليمني خارج الأطر التي يقرّها القانون الدولي.
وجاءت استجابة الدولة اليمنية سريعة ومتناسقة، حيث عقد مجلس القيادة الرئاسي اجتماعاً استثنائياً برئاسة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، أكد فيه أن الرحلة الإيرانية تمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية ولقرارات مجلس الأمن، قبل أن يعرض الرئيس هذه القضية أمام سفراء الدول الراعية للعملية السياسية، مطالباً بفتح تحقيق دولي مستقل في الرحلة وحمولتها، وتشديد الرقابة على المطارات والموانئ الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، ومنع استخدامها لنقل الخبراء والمعدات العسكرية، باعتبار أن استمرار مثل هذه الممارسات يقوّض فرص السلام ويهدّد الأمن الإقليمي والدولي.
وتعزز هذا الموقف ببيان قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية، الذي اعتبر أن التصعيد الحوثي والتهديدات الموجهة إلى المملكة العربية السعودية ليست سوى امتداد لمحاولات تصدير الأزمة الداخلية والهروب من مسؤولية الجماعة عن معاناة اليمنيين، مؤكداً أن التحالف سيتعامل بحزم مع أي تهديد يمس أمن المملكة أو سيادة الجمهورية اليمنية، ومشدداً على أن الحوثيين استغلوا المبادرات السياسية والهدن المتعاقبة لإعادة بناء قدراتهم العسكرية وتعزيز ارتباطهم بالمشروع الإيراني، بدلاً من الانخراط في تسوية سياسية حقيقية.
وتكشف هذه التطورات أن القضية اليمنية لم تعد نزاعاً داخلياً يتعلق بتوازنات السلطة، وإنما أصبحت قضيّة تمس المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن، ومنع الجماعات المسلحة من فرض وقائع سياسية وعسكرية بقوة السلاح والدعم الخارجي. ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن الدولة اليمنية لم يعد دفاعاً عن حكومة بعينها، بل عن قواعد القانون الدولي التي تضمن استقرار العلاقات بين الدول وتحول دون شرعنة الانقلابات والتدخلات الخارجية.
وتؤكد الأحداث الأخيرة أن استمرار الدعم الإيراني السياسي والعسكري واللوجستي للحوثيين لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع، وتعزيز اقتصاد الحرب، وتقويض فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة. فقد أثبتت التجربة أن الجماعة تعاملت مع فترات التهدئة والمبادرات السياسية باعتبارها فرصة لإعادة التسلح وتطوير قدراتها العسكرية، الأمر الذي يفسّر تعثر جهود السلام رغم تعدد المبادرات الإقليمية والدولية.
وفي المقابل، ما تزال الحكومة اليمنية تؤكد التزامها بخيار السلام وفق المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، انطلاقاً من قناعة بأن إنهاء الحرب لا يتحقق إلا باستعادة مؤسسات الدولة واحترام سيادتها وإنهاء الانقلاب. وهو موقف يمنح الشرعية اليمنية رصيداً سياسياً وقانونياً مهماً أمام المجتمع الدولي، ويؤكد أنها لا تزال الشريك الأكثر موثوقية في أي عملية سياسية جادة تهدف إلى تحقيق سلام دائم.
ولا تنحصر تداعيات هذا التصعيد داخل الحدود اليمنية، إذ إن استقرار اليمن أصبح جزءاً لا يتجزأ من أمن البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، وهي ممرات تمثل شرياناً رئيسياً للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية. ولذلك فإن أي تعزيز للقدرات العسكرية للحوثيين، أو أي تهاون مع استمرار الدعم الخارجي لهم، ستكون له انعكاسات تتجاوز اليمن لتطال الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي، وهو ما أكدته الهجمات السابقة على الملاحة الدولية والتهديدات المتكررة لدول الجوار.
ومن هنا، لا تبدو المشكلة الأساسية اليوم في غياب المرجعيات القانونية، فقرارات مجلس الأمن الخاصة باليمن وفرت إطاراً واضحاً لمعالجة الأزمة، بل في ضعف تنفيذها وعدم اتخاذ إجراءات رادعة بحق من يواصل انتهاكها. فكل تراجع في تطبيق منظومة العقوبات، أو في منع وصول الدعم العسكري والمالي واللوجستي إلى الحوثيين، يمنح الجماعة مساحة إضافية لمواصلة التصعيد، ويبعث برسالة خاطئة مفادها أن انتهاك القانون الدولي يمكن أن يمر دون تكلفة.
وفي هذا السياق، فإن الرحلة الإيرانية إلى صنعاء تمثل اختباراً حقيقياً للإرادة الدولية بقدر ما تمثل انتهاكاً للسيادة اليمنية. فالتعامل معها باعتبارها حادثة عابرة سيشجع على تكرارها، بينما يجب التعامل الحازم معها برسالة واضحة بأن المجتمع الدولي لا يزال قادراً على حماية قواعد النظام الدولي وصون سيادة الدول. لذلك، فإن مستقبل الاستقرار في اليمن، وأمن البحر الأحمر، وسلامة الملاحة الدولية، سيظل مرتبطاً بمدى استعداد المجتمع الدولي للانتقال من مرحلة إصدار القرارات إلى مرحلة تنفيذها، بما يحفظ سيادة الدولة اليمنية ويهيّئ بيئة أكثر جدية لتحقيق سلام مستدام قائم على إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة واحترام القانون الدولي.
* سفير الجمهورية اليمنية لدى الجمهورية اللبنانية