التسوية و"المطالبة الإجبارية" قبل مقاضاة الدولة .. مكاسب وتحديات
اعتبرت قراءات مختصين أن توجه المُشرّع المغربي نحو ترجيح التسوية الودية وجعل المطالبة الإدارية إجراء تمهيديا إجباريا قبل مقاضاة الإدارة “يساهم في تخفيف عبء التعويضات على الخزينة جراء الأحكام الصادرة ضد المؤسسات والإدارات العمومية”.
واستدركت القراءات نفسها بالإشارة إلى أن “إجبارية المطالبة الإدارية تقيّد حق التقاضي، كما تسائل وجود ضمانات لعدم تحول هذه المسطرة إلى أداة بيد الإدارة لتمطيط أمد النزاعات”.
وكشفت الوكالة القضائية للمملكة عن تشكيل لجنة تشتغل على إعداد مسودة مشروع قانون جديد يعدل القانون المنظم لاختصاص الوكيل القضائي للمملكة، من بين مقتضياته ترجيح آلية التسوية الودية قبل اللجوء إلى القضاء.
وأشارت الوكالة، ضمن أحدث نشرة فصلية لها، إلى “التنسيق مع المصالح المختصة بشأن وضع نص قانوني بجعل المطالبة الإدارية القبلية إجراء تمهيديا إجباريا قبل اللجوء إلى القضاء، مع إلزام الإدارة بالجواب داخل أجل معقول”.
وكان عبد الرحمان اللمتوني، الوكيل القضائي للمملكة، قد أكد، خلال أشغال المناظرة الوطنية الأولى حول تدبير منازعات الدولة والوقاية منها المنظمة في أبريل 2025، أن عدد القضايا المرفوعة ضد الدولة سجل ارتفاعا، إذ انتقل من 14 ألفا و505 قضايا إلى 21 ألفا و218 قضية خلال عشر سنوات، بنسبة زيادة بلغت 70 في المائة.
وقدرت قيمة التعويضات الصادرة ضمن أحكام ضد الإدارة العمومية بأكثر من 6,9 مليارات درهم سنة 2022، تمكنت الوكالة القضائية للمملكة، بمعية شركائها، من توفير 3,12 مليار درهم منها لفائدة الدولة.
مكاسب وتحديات
قال هشام زوبير، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن “التظلم الإداري في المغرب كان إجراء إلزاميا، حيث نص ظهير 1957 المؤسس للمجلس الأعلى (قبل أن يصبح محكمة النقض) على عدم جواز رفع دعوى الإلغاء قبل التظلم من القرار الإداري. أما مرحلة الاختيار فقد عرفت تخفيف المشرع من هذه الإلزامية في قانون المسطرة المدنية لسنة 1974، مما جعل سلوك المسطرة الإدارية اختياريا للمتضرر”.
واستحضر زوبير، في تصريح لهسبريس، أن “الوكالة القضائية للمملكة وضعت مخططا استراتيجيا 2024-2028 يرتكز على تعزيز الحكامة عبر تحسين تدبير النزاعات والحد من تكرارها، وتكريس الممارسات الإدارية الحديثة وحماية المال العام، حيث إن الهدف النهائي هو تقليل الأعباء المالية على الدولة، فقد ارتفعت المدخرات المحققة من ملياريْ درهم إلى 7 مليارات درهم سنويا”.
وأكد الأستاذ الجامعي المتخصص في القانون العام أن الغاية من المقتضيات القانونية المرتقبة سالفة الذكر هي “تخفيف العبء على القضاء”، وأن “من شأن التسوية الودية تسريع الإجراءات وتفادي تكاليف جديدة سواء على الإدارة أو المواطنين، لما كان التقاضي يتطلب إجراءات ذات تكلفة مادية”.
واستدرك المتحدث عينه أن “السؤال يطرح حول وجود إحصائيات تحدد عدد ونسبة الأشخاص الذين نجحوا في انتزاع حقوقهم عبر المطالبة الإدارية، وكذلك عن ضرورة الاستعانة خلال سلوك هذه المسطرة بمحامٍ أم لا، خصوصا في مجالات مثل المنازعات الضريبية والتعمير التي تحتاج إلى ملمين”.
كما أشار إلى أن جعل المطالبة الإدارية إلزامية قبل مقاضاة المؤسسة أو الإدارة العمومية “يجعل التقاضي كحق دستوري حقا مقيدا”، كما تساءل عن “وجود ضمانات لعدم جعل هذه المطالبة وسيلة من الإدارة لإطالة أمد النزاع”.
ولفت إلى أن “التزامات المغرب من أجل جلب الاستثمار مثلا تستدعي آليات بديلة أخرى، كالتحكيم الذي يتميز بسرعة مسطرته”، وأن تقريرا للمجلس الأعلى للحسابات سنة 2015 رصد أساسا “قلة الأطر العاملة بالوكالة القضائية، التي يبلغ عددها حوالي 200، نصفها فقط أطر مختصة بالقانون، فضلا عن هشاشة وضعيتهم القانونية”.
من جهة أخرى، اقترح زوبير أن “تكون التسوية الودية تابعة للوكالة القضائية للمملكة، عبر إحداث مخاطبين لها لدى القطاعات الوزارية”، مشيرا إلى “تجربة وسيط المملكة، التي لديها مخاطبين يتبعون أساسا المفتشيات العامة للوزارات”.
الأهمية محسومة
رشيد لبكر، أستاذ القانون العام بجامعة أبي شعيب الدكالي بالجديدة، قال إن “الإجراء المتعلق بتقنين ترجيح التسوية الودية قبل اللجوء إلى القضاء ضد الدولة مهم وضروري، خاصة أن المنازعات ضد المؤسسات والإدارة العمومية ذات تكلفة كبيرة جدا سواء من حيث طول المسطرة أو تكاليف ومصاريف الدعوى”.
وأبرز لبكر، في تصريح لهسبريس، أن “هذا الوضع يعرقل عمل الإدارة ويشغلها بمتابعة المساطر القانونية من جهة، ومن جهة أخرى يرهق المؤسسة القضائية ذاتها”.
وأورد الأستاذ الجامعي المتخصص في القانون العام أن “هذا الإصلاح ليس وليد اللحظة؛ بل جاء نتيجة تفكير مسبق إزاء مشاكل حقيقية مطروحة فرضت القيام به”، مشيرا إلى أنه “من مخرجات المناظرة الوطنية لتدبير منازعات الدولة، التي تمخضت عنها الدعوة إلى التفكير في طرق بديلة لتسوية هذه المنازعات”.
وأضاف المتحدث أن من بين هذه الطرق “منح صلاحيات جديدة للوكيل القضائي للمملكة، كي يحاول إيجاد حلول لجميع المنازعات عن طريق التوفيق بين الأطراف، والتدخل لدى الإدارة، والاطلاع على الوثائق بهدف التوصل إلى تسوية ودية دون الحاجة إلى التقاضي، إنصافا للأطراف واقتصادا في الوقت والتكاليف وبناء لجسور الثقة بين المواطن والإدارة”.
وشدد رشيد لبكر على أن “هذا كله من شأنه أن يقدم وجها آخر من وجوه ‘الإدارة المواطنة’، التي سيصبح الاحتجاج لديها سهلا جدا لإيجاد حلول للمنازعات القائمة”.
The post التسوية و"المطالبة الإجبارية" قبل مقاضاة الدولة .. مكاسب وتحديات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.