"التزكيات" تثير تساؤلات حول الديمقراطية الداخلية في الأحزاب السياسية

عاد نقاش معايير منح التزكيات الانتخابية إلى الواجهة، في ظل مراهنة الأحزاب السياسية على الوجوه نفسها، واستمرار الاعتماد على المخضرمين والشيوخ بعيدا عن مطالب التشبيب وتجديد النخب، مع ما يرافق ذلك من جدلٍ متجدد حول منطق الاختيار داخل التنظيمات الحزبية.

ويرى خبراء ومتابعون أن تكرار تزكية الأسماء ذاتها في الاستحقاقات التشريعية والبرلمانية يعكس جمودا سياسيا، ويحدّ من فرص انفتاح الأحزاب على طاقات جديدة وكفاءات شابة قادرة على إحداث التغيير وإضفاء دينامية متجددة على المشهد الحزبي.

شيخوخة النخب

أكد أحمد درداري، رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات، أن مسألة منح التزكيات الحزبية تظل من اختصاص المكاتب السياسية للأحزاب، التي يفترض أن تستند في اختياراتها إلى جملة من المعايير، من بينها الرصيد النضالي والسياسي للمرشح، وقوة حضوره الميداني، وسمعته العامة فضلا عن قدرته على كسب الرهان الانتخابي.

وسجل المتحدث وجود ملاحظات تستوجب التوقف عندها، أبرزها استمرار بعض الأحزاب في تزكية الوجوه ذاتها للاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة، رغم ما يثار بشأنها من انتقادات أو ما يلاحقها من نقائص وسلبيات تؤثر على صورتها لدى الرأي العام.

وقال درداري إن هذا الوضع يطرح تساؤلات جدية حول مستوى الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب ومدى جودة التمثيل السياسي الذي تفرزه، مبرزا أن استمرار الأحزاب في تكريس إشكالية عدم تجديد النخب السياسية والاعتماد على اعتبارات غير معلنة أو مؤهلات غير واضحة، يحد من فرص بروز كفاءات جديدة وشباب قادرين على ضخ دماء جديدة في العمل الحزبي، وتحسين تموقع الأحزاب داخل المشهد السياسي، وتجديد الأفكار والرؤى، والحد من مظاهر شيخوخة النخب الحزبية.

واعتبر المحلل السياسي أن تكرار تزكية الوجوه نفسها يؤشر على هيمنة فئة محدودة داخل الأحزاب على مراكز القرار السياسي والتنظيمي، مما يكرس منطق الاحتكار ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص بين المناضلين ويبعث برسائل سلبية إلى الراغبين في الانخراط في العمل الحزبي والمشاركة السياسية؛ إذ يوصد أمامهم آفاق التدرج وتحمل المسؤولية.

وأكد الأكاديمي عينه أن هذا الجمود يقابل بعزوف الشباب عن العمل السياسي وعن المشاركة في التصويت؛ إذ يشعر العديد من الشباب بمحدودية فرص الترقي السياسي الناتج عن احتكار بعض الأشخاص للمواقع الانتخابية، بتزكية حزبية متكررة، مما يدفعهم إلى الابتعاد عن الأحزاب أو فقدان الثقة في العمل السياسي.

وشدد على أن هذا المعطى يميت حيوية الخطاب السياسي مع الوجوه نفسها ويعيد الممارسات ذاتها، مما يحد من الابتكار السياسي وتتحول الأحزاب إلى عائق أمام مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية.

وذكر رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات أن الاعتماد على الوجوه المخضرمة خلال الاستحقاقات الانتخابية يثير نقاشا واسعا داخل الحقل السياسي، موضحا أن بعض الأحزاب تبرر هذا الخيار بما يتوفر عليه هؤلاء المرشحون من رصيد سياسي وانتخابي وتجربة ميدانية راكموها طيلة سنوات من العمل الحزبي والمؤسساتي، في حين يرى منتقدو هذا التوجه أنه يعكس أزمة في تجديد النخب وضعفا في آليات الديمقراطية الداخلية.

وأضاف أن عددا من الأحزاب يواصل منح التزكيات للمرشحين المخضرمين بالنظر إلى خبرتهم الطويلة وقدرتهم على استقطاب الناخبين بفضل ما نسجوه من علاقات اجتماعية وسياسية واسعة، فضلا عن معرفتهم بخريطة التوازنات المحلية، خاصة في ظل احتدام المنافسة السياسية وتراجع نسب المشاركة، وما يفرضه ذلك من البحث عن مرشحين يمتلكون فرصا أكبر لكسب ثقة الناخبين وحصد الأصوات.

الخطاب والممارسة

محمد بن عيسى، رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان، قال إن استمرار الأحزاب السياسية في منح التزكيات للوجوه نفسها يعكس مفارقة واضحة بين الخطاب الداعي إلى تجديد النخب وتشبيب الحياة السياسية، وبين الممارسة الحزبية الفعلية على أرض الواقع.

وأوضح أن هذا الاختيار يرتبط غالبا برهان الأحزاب على الأعيان والمخضرمين الذين يمتلكون رأسمالا انتخابيا وشبكات نفوذ محلية تمنحهم فرصا أكبر للفوز في الاستحقاقات الانتخابية، وزاد مستدركا بأن هذا التوجه يكشف عن ضعف آليات إنتاج النخب الجديدة داخل عدد من التنظيمات الحزبية، ويحد من فرص صعود الكفاءات الشابة إلى مواقع القرار والتمثيل.

وأضاف بن عيسى، في تصريح لهسبريس، أن الظاهرة تتجاوز تشبث بعض السياسيين بمواقعهم، لتعكس افتقار بعض الأحزاب إلى بدائل مؤهلة وقادرة على المنافسة، مؤكدا أن تجديد النخب ليس عملية ميكانيكية أو إجراءً ظرفيا، بقدر ما هو مبدأ وسيرورة متواصلة تتطلب التأهيل والتكوين وإتاحة الفرص.

وشدد الفاعل الحقوقي على أن تجديد النخب السياسية لم يعد خيارا تنظيميا بالقدر الذي أضحى شرطا أساسيا لتعزيز الثقة في العمل السياسي وضمان استمرارية الأحزاب وقدرتها على مواكبة التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي. كما اعتبر أن ضخ دماء جديدة في المؤسسات التمثيلية يشكل إحدى الضمانات الأساسية لترسيخ الثقة بين المواطن والدولة وتعزيز المشاركة السياسية.

The post "التزكيات" تثير تساؤلات حول الديمقراطية الداخلية في الأحزاب السياسية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress