التدبير المفوض للخدمات العمومية بالمغرب: نهاية “أسطورة” رأسمالية
على مدى أكثر من عقدين من الزمن، قُدِّم التدبير المفوض للخدمات العمومية باعتباره حجر الزاوية لتحديث العمل العمومي في المغرب. وبدعم حثيث من الجهات المانحة الدولية، وتبنٍّ سريع من قبل السلطات العمومية، كان من المفترض أن يحقق هذا النموذج النجاعة، والاستثمار، ونقل الخبرات، وجودة الخدمات. أما اليوم، فإن التشخيص لا يدع مجالاً للشك: هذا النموذج لم يوفِ بوعوده ووصل بوضوح إلى أقصى حدوده.
في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، كان الخطاب السائد بسيطاً: الدولة والجماعات الترابية عاجزة بنيوياً عن تدبير المرافق العمومية المحلية بفعالية. وبالتالي، كان الحل يكمن في التفويض للقطاع الخاص، ولاسيما الشركات المتعددة الجنسيات التي تمتلك الرأسمال والتكنولوجيا والخبرة التدبيرية.
وهكذا، جرى الترويج للتدبير المفوض كصيغة “رابح-رابح”؛ فالدولة تتخلص من أعباء مرافق مكلفة، والجماعات يُفترض أن تستفيد من خدمات أفضل، والمواطنون يتطلعون لبنيات تحتية حديثة وفعالة.
لدى فتح المغرب، منذ نهاية التسعينيات، باب التدبير المفوض لقطاعات تشكل صلب المرفق العمومي المحلي. وتعتبر الدار البيضاء النموذج الأبرز؛ ففي سنة 1997، عُهد بتدبير قطاعات الماء والكهرباء والتطهير السائل لشركة “ليديك” (Lydec)، التابعة للمجموعة الفرنسية “سويز” (Suez). وفي الرباط-سلا-تمارة، تولت “ريضال” (Redal) المهمة، بينما استقرت “أمانديس” (Amendis) في طنجة وتطوان ابتداءً من عام 2002.
شمل هذا النموذج خدمات حيوية مثل التطهير السائل، وتوزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء، والإنارة العمومية. ثم امتد ليشمل أنشطة محلية أخرى كتدبير مواقف السيارات والمساحات الخضراء، بل والأنكى من ذلك، وُسِّع المخطط ليشمل بعض مؤسسات التكوين المهني؛ وهي أنشطة تتعارض فيها منطق الربح مباشرة مع منطق المرفق العمومي.
على أرض الواقع، تبين أن التدبير المفوض ليس سوى ريع مضمون تقريباً للشركات المفوض إليها. فالمجالات المعنية ليست ثانوية، بل تمس الاحتياجات الحيوية للسكان وتشكل جوهر مهام الجماعات. تحول هذا التفويض إلى ريع آمن للفاعلين الدوليين، حيث ضمنت لهم العقود وضعاً احتكارياً، وآليات توازن مالي لصالحهم، وحماية من المخاطر الكبرى.
بعد سنوات من الاستغلال، تبدو الحصيلة مقلقة. فبينما ضمنت الشركات هوامش ربح عريضة، فقدت الدولة والجماعات الترابية تدريجياً السيطرة الاستراتيجية والخبرة التشغيلية لهذه المرافق الأساسية.
وبقي “نقل الخبرات”، الذي قُدِّم كهدف مركزي، حبراً على ورق. وتحولت الإدارات المحلية إلى مجرد هياكل للمراقبة التعاقدية، تفتقر في الغالب للوسائل التقنية والبشرية اللازمة لمواكبة شركات دولية تمتلك جيوشاً من الخبراء القانونيين والماليين. هذا الارتباك خلق تبعية بنيوية: فبمجرد اهتزاز التوازن المالي للمفوض إليهم، يقع العبء على كاهل الجماعات، وفي نهاية المطاف، على عاتق المواطن.
بدأت الصعوبات تطفو على السطح: تدهور جودة الخدمة، نزاعات متكررة بين الجماعات والشركات، اختلالات مالية مزمنة، وعجز الشركات عن الوفاء بالتزاماتها الاستثمارية.
وهكذا اصبحت التوترات الاجتماعية حاضرة بقوة؛ ففي طنجة، كشفت “انتفاضة الشموع” عام 2015 عن غضب المواطنين من غلاء الفواتير، دون أن يؤدي ذلك لفسخ العقد الذي اعتبرته الدولة حينها مكلفاً للغاية. وفي الدار البيضاء، واجهت “ليديك” انتقادات لاذعة بسبب ضعف الاستثمار في التطهير، والفيضانات المتكررة، واحتجاجات الزبناء.
في عدة مدن مغربية، وجدت الشركات نفسها في وضعية مالية حرجة، مما اضطر الجماعات لضخ أموال لسد العجز أو إعادة التفاوض على العقود. وهكذا تحول ما كان يُفترض أنه “نقل للمخاطر إلى القطاع الخاص” إلى “تأميم للخسائر”.
أدى هذا التشخيص للفشل إلى تحول جذري في السياسة العمومية المغربية. ففي يوليوز 2023، صدر القانون رقم 83.21 المتعلق بـ “الشركات الجهوية متعددة الخدمات” (SRM)، معلناً رسمياً النهاية المبرمجة للتدبير المفوض الكلاسيكي. وتقوم الإصلاحات على مبدأ واضح: استعادة تدبير المرافق الأساسية، وجهوية حكامتها، وإعادة بناء قدرة عمومية مستدامة.
وهكذا، في فاتح أكتوبر 2024، غادرت “ليديك” المغرب رسمياً بعد 27 سنة، لتحل محلها الشركة الجهوية للدار البيضاء-سطات. وفي الرباط-سلا-القنيطرة، ستحل الشركة الجهوية محل “ريضال” في أبريل 2025، وفي طنجة-تطوان-الحسيمة ستنتهي حقبة “أمانديس” في يونيو 2025. وبحلول الأجل المحدد، ستغطي هذه الشركات الجهوية كافة جهات المملكة الاثنتي عشرة.
تحول عالمي: نظرة دولية متقاطعة
إن التخلي التدريجي عن التدبير المفوض في المغرب ليس استثناءً، بل يندرج ضمن توجه عالمي يعيد النظر في براديغم “الخوصصة” نحو “استعادة البلديات(Remunicipalisation)” لخدماتها الأساسية.
- ففي فرنسا: تعتبر باريس رمزاً للعودة للقطاع العام؛ سنة 2010، أنهت العاصمة عقودها مع “فيوليا” و”سويز”، وأسست “Eau de Paris” كجهة عمومية بالكامل. وكانت النتيجة: انخفاض الأسعار، زيادة الاستثمارات، وشفافية أكبر.
- وفي أمريكا اللاتينية: أدى فشل الخوصصة إلى أزمات اجتماعية حادة (كما في بوليفيا والأرجنتين)، حيث أنتج التفويض إقصاءً اجتماعياً وصراعات حضرية كبرى بدلاً من الفعالية الموعودة.
- أما في أوروبا الجنوبية: في نابولي بإيطاليا، تم تكريس الماء كـ “مرفق عمومي مشترك” غير قابل للربحية بعد استفتاء شعبي، وهو نفس التوجه الذي سلكته برشلونة في إسبانيا.
تشترك كل هذه التجارب في رصد نفس العيوب: المبالغة في تقدير نجاعة القطاع الخاص، ضعف الاستثمار طويل الأمد، وعدم التكافؤ في المعلومات بين الإدارة والشركة.
يبقى التناقض قائماً: بينما يجري استرجاع قطاعات الماء والكهرباء، لا يزال تدبير النفايات وجمع الأزبال مفوضاً لشركات خاصة تعاني أغلبها من صعوبات مالية، مما يؤدي لتدهور الخدمة وضغوط مالية على الجماعات.
لا تزال هناك مفارقة قائمة: فبينما تشهد قطاعات الماء والكهرباء والتطهير السائل مسارًا متزايدًا نحو الاسترجاع إلى التدبير العمومي، تظل إدارة النفايات وجمع النفايات المنزلية موكولة إلى حدٍّ كبير لشركات خاصة، غالبًا ما تعاني من صعوبات مالية.
وفي عدد من مدن المملكة، ينعكس عجز الشركات المفوض لها عن تحقيق التوازن الاقتصادي في تقديم طلبات متكررة لإعادة التفاوض، وتراكم المتأخرات، ولا سيما أجور العمال، وتدهور جودة الخدمات، إلى جانب تصاعد الضغط المالي على الجماعات الترابية.
وأصبح هذا النموذج معروفًا اليوم: خوصصة الأرباح، وتأميم الخسائر.
يبدو أن المغرب قد حسم أمره فيما يخص المرافق الحيوية. فالتدبير المفوض، الذي ظل طويلاً بمثابة “عقيدة اقتصادية”، يظهر اليوم كـ “أسطورة رأسمالية” فككتها الوقائع. إن العودة إلى التدبير العمومي، في صيغة مُحدثة وجهوية، ليست تراجعاً إيديولوجياً، بل هي استعادة للسيادة على الخدمات الأساسية. المرفق العمومي ليس سلعة، بل هو خيار سياسي.
اقتصادي