الانتخابات الأرمنية الأخيرة: صفعة سياسية لروسيا

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

د. خالد العزي*

 

 

لم تكن الانتخابات البرلمانية في أرمينيا الأسبوع الماضي، مجرد حدث سياسي عابر أو زوبعة مؤقتة، بل شكّلت محطة مفصلية كشفت حجم التحولات السياسية والاجتماعية داخل البلاد.

 

فقد استطاع الحزب الحاكم "بقيادة رئيس الوزراء نيكول باشينيان ​تعزيز حضوره وسط الانقسامات الداخلية والتحديات الإقليمية المتزايدة، وهو ما يعكس وعي الشعب الأرمني بالخيارات الاستراتيجية التي تواجه بلاده.

 

الخروج من العباءة الروسية

 

أرمينيا ليست الدولة الوحيدة في هذا المشهد المعقد المرتبط بانهيار العلاقات داخل البيت السوفياتي السابق، بل تمثل حلقة جديدة في سلسلة التحولات التي شهدتها جمهوريات الاتحاد السوفياتي تدريجاً، في مسار الابتعاد عن موسكو والخروج من دائرة نفوذها السياسي والأمني، وصولاً إلى خصومة متزايدة وعداء أحياناً تجاه روسيا وشعبها ولغتها وثقافتها.

كانت دول البلطيق أولى الدول التي خرجت عن النفوذ الروسي، تلتها أذربيجان، ثم تركمانستان، وجورجيا، وطاجيكستان، ولاحقاً مولدوفيا، وصولاً إلى أوكرانيا، التي تحوّل خروجها إلى كارثة للطرفين بعد اندلاع حرب دموية استمرّت سنوات طويلة.

واليوم، تواجه أرمينيا واقعاً مشابهاً، حيث أدّى ابتعادها التدريجي عن موسكو إلى إحباط جزء كبير من الطموحات الروسية في منطقة القوقاز، وجعل النفوذ الروسي هناك مهدداً ومقيّداً بصورة غير مسبوقة. وتعكس هذه التحوّلات مدى تعقيد العلاقة بين روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، كما تكشف تراجع قدرة موسكو على إعادة فرض سيطرتها التقليدية عبر النفوذ السياسي أو العسكري فقط.

وفي المقابل، ترى هذه الدول أن مستقبلها السياسي والاقتصادي والأمني أصبح مرتبطاً بالانفتاح على أوروبا والغرب، بدل البقاء ضمن دائرة النفوذ الروسي، خاصة بعد تصاعد الأزمات والحروب والضغوط السياسية خلال السنوات الأخيرة.

 

أسباب العداء والتوتر مع روسيا

إذا حاولنا البحث بجدية في أسباب العداء المتصاعد بين جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق وروسيا، نجد أن المسألة ترتبط بجملة من العوامل السياسية والاجتماعية والتاريخية المعقدة.

ويطرح السؤال نفسه: لماذا خرجت هذه الدول عن طاعة روسيا البوتينية وعباءتها السياسية؟ الجواب يرتبط بعدة عوامل متشابكة:

1- الرفض والامتعاض القومي من التعامل الروسي.

2- انهيار العقد الاجتماعي المفروض في أيام الحقبة السوفياتية.

3- بحث هذه الشعوب عن حماية أمنية واقتصادية.

 

موقف روسيا من التحوّلات في أرمينيا

لم تكن روسيا مرتاحة لنتائج الانتخابات الأرمنية الأخيرة، ولا للخطوات التي اتخذتها أرمينيا بقيادة رئيس وزرائها، الذي خرج تدريجاً من إطار معاهدة الدفاع المشترك واتجه بسرعة نحو أوروبا. هذا التحول السياسي يهدّد الوجود التاريخي الروسي في منطقة القوقاز، ويقلص نفوذ موسكو التقليدي في المنطقة.

وكان للمصالحة بين أذربيجان وأرمينيا، التي سعت الولايات المتحدة إلى استثمارها، دور في فرض موطئ قدم أميركي داخل القوقاز، ما زاد شعور روسيا بالتهديد الاستراتيجي.

وفي مواجهة هذا الواقع، بدا أن موسكو مستعدة لاستخدام أدوات ضغط متعددة ضد يريفان، بدءاً من الضغوط الاقتصادية وقطع الغاز والنفط، وصولاً إلى التلويح بالتهديد العسكري المباشر، بهدف حماية مصالحها والحفاظ على نفوذها الإقليمي.

 

الخيار العسكري والمستقبل الجيوسياسي


يبقى السؤال الأهم: هل ستتجه موسكو إلى خيار الحرب واستخدام القوة ضد الأرمن، الذين شكّلوا تاريخياً أحد أقرب حلفائها في القوقاز؟ وهل أصبحت طريقة التعامل مع جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق قائمة على سياسة "الحديد والنار"، عبر فتح جبهات جديدة في مولدوفا أو أرمينيا، كما حدث في أوكرانيا، في محاولة لإعادة فرض السيطرة بالقوة؟

هذه التساؤلات تعكس حجم التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، خصوصاً مع تراجع النفوذ الروسي التقليدي وصعود التوجهات الأوروبية والغربية داخل جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق.

إذن ، فإن استخدام القوة العسكرية لا يضمن دائماً إعادة بناء النفوذ أو استعادة الولاء السياسي، لأن الحروب غالباً ما تترك جروحاً عميقة وآثاراً تمتد لعقود طويلة. فبدل أن تقود إلى الاستقرار والتنمية الاقتصادية، تؤدي الحروب إلى زيادة الانقسامات وتعميق مشاعر العداء بين الشعوب، وهو ما قد يجعل أي محاولة لإعادة فرض النفوذ بالقوة أكثر تعقيداً وخطورة على المدى البعيد.

- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية