الاقتصاد الإيراني تعرّض لضربة قاسية... هل يصمد الرهان على تراجع ترامب أولاً؟
رغم الضربات القاسية التي أصابت الاقتصاد الإيراني، لا تزال طهران تراهن على أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيتراجع أولاً تحت ضغط تداعيات الحرب وأسواق الطاقة. فهل ينجح هذا الرهان، أم تنقلب الأزمة على الداخل الإيراني؟
كان الاقتصاد في إيران يواجه أساساً أزمات مزمنة نتيجة العقوبات الأميركية والتضخم وتراجع الاستثمار، إلا أن الحرب الأخيرة ضاعفت حجم الانهيار الاقتصادي على نحو غير مسبوق.
اقتصاد إيران متراجع
وأدّت الضربات التي استهدفت البنية الصناعية إلى تعطيل آلاف المنشآت الإنتاجية. وتشير تقديرات نقلتها وسائل إعلام إيرانية وخبراء اقتصاديون إلى تضرّر أكثر من 20 ألف مصنع وشركة، بينها مجمعات للصلب والبتروكيماويات والأدوية والمنسوجات.
وفي سوق العمل، أعلن نائب وزير العمل الإيراني غلام حسين محمدي أن الحرب تسببت بخسارة مباشرة لما لا يقل عن مليون وظيفة، فيما حذر اقتصاديون من أن التداعيات غير المباشرة قد تهدد ما بين 10 و12 مليون وظيفة، أي ما يقارب نصف القوة العاملة في البلاد. وارتفع عدد طلبات التأمين ضد البطالة إلى نحو ثلاثة أضعاف مقارنة بالعام الماضي.
الأزمة لم تقتصر على المصانع الثقيلة، بل امتدّت إلى التجارة الإلكترونية والخدمات والتعليم والعمل الحرّ، خصوصاً مع الانقطاعات الواسعة للإنترنت وتعطل سلاسل التوريد والشحن. كذلك، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن ما يصل إلى 4.1 ملايين إيراني إضافي قد ينزلقون إلى الفقر نتيجة الحرب.
ويقول الخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور فراس الياس لـ"النهار" إن قدرة النظام الإيراني على التحمّل لا ترتبط بالاقتصاد وحده، بل تمتدّ إلى البعدين الأمني والاجتماعي. ويوضح أن "طهران تستطيع التعايش مع مستويات مرتفعة من الفقر والتضخم لفترة معينة، إلا أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتزامن البطالة مع نقص السلع الأساسية واتساع شعور الشارع بأن المجتمع يدفع ثمن رهانات سياسية تتبنّاها القيادة".
ويشير الياس إلى أن المؤشرات الاقتصادية الحالية شديدة القسوة، فيما تواجه ملايين الوظائف الأخرى خطر الانهيار نتيجة الضربات العسكرية، والحصار، وتعطل المصانع وسلاسل الإمداد.
ويرى أن النظام "لا يزال يمتلك قدرة على الصمود في المدى القصير"، مستنداً إلى الأجهزة الأمنية، وآليات "اقتصاد التعبئة"، وشبكات الدعم والتوزيع، إضافة إلى خبرته الطويلة في التعامل مع العقوبات. لكنه يحذر من أن الأزمة قد تدخل "منطقة الخطر" إذا تحوّلت من مجرد ارتفاع في الأسعار إلى تعطّل فعلي في الحياة اليومية، مع تآكل القدرة الشرائية، واتساع البطالة، وتراجع الثقة لدى الطبقات الفقيرة والوسطى في آن واحد.

ويقول الباحث الاقتصادي والسياسي الدكتور بلال عدنان علامة لـ"النهار" إن الاقتصاد الإيراني تعرّض لضربة هائلة أصابت قطاعات إنتاجية أساسية، مشيراً إلى أن العديد من مصانع الصلب والحديد والألمنيوم وغيرها من الصناعات الثقيلة تعرضت للاستهداف وتوقفت عن العمل.
ويضيف أن قطاع النفط الإيراني يواجه بدوره ضغوطاً خطيرة نتيجة الحصار المفروض على طهران، إذ إن تراجع الصادرات أو توقفها قد يدفع السلطات إلى إغلاق عدد من الآبار النفطية والغازية بعد امتلاء المخزونات وعدم القدرة على التصدير. ويحذر من أن توقف الآبار لفترة طويلة قد يؤدي إلى أضرار تقنية كبيرة، ما يجعل إعادة تشغيلها لاحقاً عملية مكلفة ومعقدة.
ويرى علامة أن تداعيات هذه الأزمة ستنعكس مباشرةً على الداخل الإيراني. ولا يستبعد أن تصل الأزمة إلى مرحلة تواجه فيها الحكومة صعوبة في دفع الرواتب، معتبراً أن قدرة إيران على الصمود لفترة طويلة في ظلّ هذا المستوى من الضغط الاقتصادي تبقى محدودة.
هل يتراجع ترامب؟
ورغم ذلك، تراهن طهران على قدرتها على الصمود، مستندة إلى اقتصاد اعتاد العمل تحت العقوبات، وإلى استخدام أوراق ضغط استراتيجية، أبرزها مضيق هرمز. يعتقد قادة إيران أن ترامب قد يتراجع أولاً تحت ضغط تداعيات الحرب على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، خصوصاً إذا استمر التوتر في المضيق وارتفعت كلفة المواجهة على الأسواق الدولية.
ويعتبر الياس أن "رهان طهران على تراجع ترامب أولاً يبقى رهاناً شديد الخطورة". لكنه يلفت إلى أن الخطأ المحتمل في الحسابات الإيرانية يكمن في الاعتقاد بأن الوقت يعمل ضد ترامب فقط، بينما يضغط في الوقت نفسه على الداخل الإيراني أيضاً. فالإدارة الأميركية، بحسب تقديره، تراهن على أن يؤدّي الحصار إلى خنق الواردات والصادرات النفطية، بما يضع الاقتصاد الإيراني بأكمله تحت ضغط متصاعد، لا فقط مؤسسات الدولة أو الحرس الثوري.
ويخلص الياس إلى أن الأنظمة لا تسقط عادة بمجرد التدهور الاقتصادي، لكنها تصبح أكثر هشاشة عندما تفقد قدرتها على تحويل المعاناة اليومية إلى حالة "صبر وطني" أو تعبئة داخلية. ويحذر من أن إطالة أمد الحصار قد تدفع الشارع الإيراني إلى مرحلة أكثر حساسية، إذ لا يعود السؤال محصوراً في أسباب الأزمة المعيشية، بل يتحوّل إلى مساءلة مباشرة بشأن الجهة المسؤولة عن استمرار هذه المعاناة.