الاستنزاف المفتوح... على مقلبين!
بين عهدي الرئيس سليمان فرنجية الذي اشتعلت إبانه "الحرب اللبنانية الكبرى"، وأمين الجميل الذي انتهى إلى فراغ رئاسي سلّم السلطة إلى حكومة عسكرية برئاسة الجنرال ميشال عون، عرف لبنان أغرب مفارقات التوصيفات لبلد يتخبط في الحرب الساحقة تحت ما سمي "إدارة الأزمات" على يد هياكل الدولة المحاصرة بكل المتحاربين من داخل وخارج.
ليس من مناسبة الآن للتذكير بهذه المعادلة إلا "الذعر" الحقيقي من أن تشكل الظروف الميدانية والسياسية، الداخلية والإقليمية في لبنان والشرق الأوسط، مستنقعا كارثيا لإدارة الحرب والتصعيد بين إسرائيل و"حزب الله"، على نحو يغدو معه الاستنزاف المفتوح أخطر الأخطار التي تتهدد مصير لبنان.
والحال أن التسليم بأن خيار المفاوضات حتى تحت النار ، الذي ينتهجه لبنان الرسمي مؤيدا من غالبية القوى السياسية بعدما لم يترك "حزب الله" للدولة ولا للبنانيين سوى هذا الخيار، لم يكفل بعد الحد الأدنى من ردع الحزب عن الاستماتة المطلقة لإبقاء الربط القسري بين الحرب والمفاوضات والواقع اللبناني برمته رهن التجيير لإيران في كل مجريات المدّ والجزر والصعود والهبوط الجارية بينها وبين الإدارة الأميركية. صحيح أن خيار المفاوضات الثنائية المباشرة وتحكيم الإدارة الأميركية فيها، شكّل الخيار الذي كان لا بد منه أساسا، في إحداث الحد الأدنى من التوازن الإستراتيجي أمام عبث إيران المستمر بسيادة لبنان ومضيها في استغلال تورط حرسها الثوري على نحو غير مسبوق في الإدارة والتوجيه والإمرة لـ"حزب الله" حتى في العمل الميداني المباشر، وهو الخيار الذي لولاه لكان وضع لبنان أشد كارثية بعدما حصلت صدمة انسحاب الجيش اللبناني من جنوب الليطاني على أثر إشعال "حزب الله" حرب إسناد نظام الملالي غداة اغتيال خامنئي تحديدا وباسم الثأر له، غير أن الحرب ستطل بعد أقل من أسبوعين على طيّ شهرها الثالث من دون أيّ أفق جازم أو واضح حيال الإمكانات والتقديرات والسيناريوات الجادة الثابتة التي ستوفرها أجندة المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في جولاتها المقبلة لإنهاء الحرب بسرعة.
لذا تبدو المصارحة والشفافية بلا أيّ قفازات ومداراة من جانب الدولة في المرحلة الحالية أكثر من ضرورة حاسمة، في كشف الكثير مما ينتظر اللبنانيون معرفته، سواء عن مسار المفاوضات بلا أيّ حرج، أو عن نظرة الدولة ممثلة برئيسي الجمهورية والحكومة والقوى الداعمة لهما لسيناريوات اليوم التالي إن ظل الاستنزاف مفتوحا.
يمضي "حزب الله" مستغلا ما تبقى لديه من قدرات مسلحة كما من رعونة نمطيات الترهيب، في جعل الاستنزاف الميداني مع إسرائيل كما السياسي الداخلي مع الدولة اللبنانية، سيفا مُصْلتا على مجمل لبنان. وعلى الضفة المقابلة، تمضي إسرائيل في أخطر توسيع لمديات تفريغ الجنوب والبقاع الغربي، وربما لاحقا مناطق أخرى، بما يشي بواقع احتلالي استنزافي بلا أفق زمني.
الاستنزاف الداخلي ليس معزولا عن استنزاف إقليمي تتمثل آخر وجوهه في تموجات الصعود والهبوط بين الرئيس الأميركي وإيران التي تضع الخليج والشرق الأوسط برمته، ولبنان أولا ولو فصل مساره تفاوضيا عن المسار الأميركي - الإيراني، في مهب استنزاف بلا نهايات قريبة.
قد يكون الأسوأ من توصيف المأزق اللبناني ومحاصرته على هذا النحو ، ألا يملك الموصفون خيارات أخرى أو استراتيجيات الخروج منه على النحو الحاصل الآن في لبنان. ومع ذلك، حذار ألف مرة أيّ تهاون أو تراجع للدولة.