الاستفزاز الصهيوني يقطر في قلب مراكش.. وباب دكالة ليس بها بقايا للهيكل الثاني

طبقا لأحكام الدستور المغربي الواردة بالتصدير وبالمادتين الرابعة والتاسعة عشرة، تعتبر العبرية رافدا من الروافد الوطنية، وتُعد حرية الرأي والتعبير من الحريات المكفولة دستوريا لكل فرد مسلما كان أم يهوديا أم مسيحيا أم علمانيا أو لا شيء…، وهذا الاعتراف السياسي والدستوري يشمل حرية ممارسة الشأن الديني لكل واحد دون تمييز في المذهب أو في العقيدة باحترام للآخرين، دون تعصب أو تمييز أو إرهاب فكري سواء باسم الخصوصية أو العرق أو اللغة أو غيرها…

وبالمغرب، يُمارس المتدينون طقوسهم باحترام متبادل، دون خلفيات أو عنصرية، في أماكن هُيئت لذلك وضُبط استعمالها سواء بالكنائس أو المساجد أو الكُنُس أو بيت تفيلة، بالرغم من أن بعض الممارسات، بكل الأسف، تخرج عن المألوف، وتنحرف أحيانا حتى عن الاحترام الواجب لحرية الناس غير المتعبدين، وتبتعد عن واجب الاستعمال المتساوي للفضاء العام المشترك بين الجميع بدون سيطرة أو عرقلة أو تشويش، إذ لا ينبغي باسم ممارسة فريضة حرمان البعض من راحتهم ومن حريتهم التي يحميها القانون…

ومن هنا، أصبح لزاما أن نمسح الصورة التي جابت المواقع وأثارت علامات الاستفهام قبل أيام بين سكان مراكش وساكنة مناطق المغرب كله، وهي الصورة التي شاهدنا فيها أشخاصا على عتبة حائط باب دكالة، كالغربان بلباس أسود وقبعات وشعر منسدل على الأذنين…، يُشبهون أولئك الذين انتزعوا واحتلوا حائط البراق بالأقصى، واعتدوا على الوقف الإسلامي، وساحات أخرى محيطة بالمسجد الأقصى وبممر المغاربة، أولئك الذين يصرون على مسح معالم تاريخية بالقدس ومنع المقدسيين من الوصول إلى الحائط الغربي للمسجد، حائط البراق…

هذه الصورة تعبر في الحقيقة عن مشهد مثير لا يمكن أن يمر عابرا ولو سكتت عنه السلطة أو أذنت به أو خافت من إيقافه، ولا بد من الرد المناسب عليه وفهم تداعياته، حتى ولو اعتبر البعض من المتصهينين بأن الأمر عادي وأنه يعكس تسامح المغاربة مع مختلف الثقافات واحترامهم لكل الأديان…

لكن مثل هذا الطرح ضعيف ولا يتسرب سوى لأذهان البسطاء من العامة، ولن يقبله إلا من هرول ومن صافح وقبل أيادي نتنياهو أو إيتمار بن غفير أو سموتريتش أو غيرهم، من مجرمي الحرب بالكيان، أو ممن أعلنوا عن ولائهم ودعمهم لهم وللاحتلال وجرائمهم بفلسطين، أو ممن يرفعون الدعاء والأكف للسماء ليُعينوا القتلة وللمزيد في ذبح الأطفال بغزة وتجويعهم وتهجير من بقي منهم حيا بعد الإبادة والدمار.

مشهد وقفة الغربان بباب دكالة بمراكش، حائط المبكى الافتراضي كما وصفه الصديق توفيق بوعشرين صاحب “الكلام في السياسة”، هو مستجد لا سابقة له بالمغرب حسب علمي، وراءه ما وراءه، وهو امتحان سياسي خبيث أطلقه من أصدر الأمر لمن اصطفوا من اليهود الأرثوذكس الذين يُطلق عليهم اسم “الحريديم” من أجل الإعلان الرسمي عن الاختلاط أي “الوجود الصهيوني الجماهيري”، الذي قرر الكيان أن ينتزع به الاعتراف الشعبي، من دون حاجة للاستئذان أو الحصول على وصل التأسيس من أية سلطة، على خلاف موقف السلطة من وصل الإيداع الذي ترفض تسليمه للمنظمات والجمعيات…

إن تدشين حائط المبكى بمراكش من طرف مبعوثي مجرمي الحرب، خطر وتحد واستفزاز وغزو، مُدبر بدقة في الزمان والسياق والتاريخ… والذي اختار مراكش عاصمة الموحدين لإشعال شمعة الخراب والهجوم المدبر من قبل دولة الاحتلال الصهيوني على المغرب وعلى المغاربة وعلى مشاعرهم، واختبار كذلك لهم وعليهم في نفس الوقت من أجل قياس درجة الانصياع السياسي للمسؤولين بالمغرب للهيمنة الصهيونية عليهم وعلى الشعب المغربي وعلى ثقافته وتقاليده وجذوره ومعتقداته، وبهذا الحدث يطلق الكيان الصهيوني في إحدى عواصم المغرب الكبرى مرحلة سياسية حاسمة لما بعد اتفاقية أبراهام الموقعة من قبل رئيس الحكومة السابق…

إن المتعبدين الأرثوذكس اليهود، وهم يعرفون بأن باب دكالة لا توجد بها بقايا الهيكل الثاني، نصبوا صورتهم ورسموها بمكان شعبي بباب دكالة بمراكش ليس للذكرى التذكارية فحسب، وليس لطقوس دينية أو صلوات روحية تجاه قبلتهم فقط، بل إن اللقاء الجماعي بينهم في قلب مراكش رسالة سياسية في زمن معين وفي سياق معين محليا ودوليا، تقول لنا وللعالم مباشرة إنكم أيها المغاربة ومعكم المسؤولون كذلك فتحتم أمامنا باب المغرب، فاعلموا أنه لن يردنا أحد أو يمنعنا من أن نمارس فيه الفحشاء السياسية والثقافية والأخلاقية أنى شئنا ومتى شئنا، وأننا لن نكتفي بما تعودنا عليه منذ عشرات السنين عندما نعقد تجمعاتنا بكل حرية بمناسبات دينية أو سياسية بمدن مغربية كالصويرة وصفرو ووزان وغيرهم، والتي يشاركنا فيها رجال السلطة والأعيان وكبار موظفي الدولة ورجال الدين وغيرهم، لإقامة الأفراح وممارسة عبادات ورقصات، بل إننا قررنا الإعلان أمام باب دكالة عن مخطط صهيوني جديد بالمغرب في سياق هيمنة وتوسع صهيو-أمريكي بارع في إسقاط الشرعية الدولية وانتهاكها، بارع في اختطاف رؤساء الدول، وبارع في التهديد باحتلال أخرى…

ويأتي المخطط كذلك ما بعد سحق غزة وشعبها والضفة وأهلها، وبعد احتلال أراض من جنوب لبنان وتدميرها، وبعد الضربات على ضواحي دمشق وحلب وغيرها، وبعد تركيع النظام الجديد بسوريا وابتلاع شعاراته، ومحاصرة إيران وقطع رؤوس زعمائها وخبرائها وعلمائها وقنصهم على التوالي، وبأننا قررنا عن بُعد ومن تل أبيب البدء بصهينة المآثر التاريخية بالمغرب، بعد جر قطاعات السياحة والفلاحة والتجارة وتلقيحها بحب الكيان والتعلق به، وبأننا غدا سنخترق قطاع التعليم وقطاع العدالة وقطاع القضاء، وبعد غد قطاع المحاماة والمجالس العلمية، وبعدما تم العسف بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وبعد تحدي قرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بقوة القتل والإبادة وبسلاح احتواء إرادة الزعماء والرؤساء في ساحة العرب العاربة والعرب المستعربة من القحطانيين أو من العدنانيين… وبالدعم والتحريض من الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة الاضطرابات وانتهاكات سيادة الدول في العالم، والتي تضاعف باسم القوة مستوى الخطر على مصير الإنسانية والسلام وحقوق الإنسان وعلى حدود الدول واستقرارها…

أيها المسؤولون احذروا من الانزلاق للعصر الصهيوني الجديد، وافهموا معاني وقفة غربان الأرثوذكس بباب دكالة بمراكش، فقد حان الوقت لتختاروا ما بين حماية المغرب وما بين بيعه، وما بين الدفاع عن سيادة المغرب وما بين تفويتها واسترخاصها، أفيقوا وانظروا أمامكم قبل فوات الوقت، فقريبا منكم وعلى أبوابكم يقف تهديد الكيان الصهيوني لسرقة تاريخ المغرب وهوية المغاربة، وافهموا مخاطر الانزلاق للعصر الصهيوني كما ينبهنا إليه المفكر المغربي الدكتور عبد الإله بلقزيز…

وأخيرا، لابد أن ننظف معمارا تاريخيا مراكشيا مغربيا وهو حائط باب دكالة، ونمسح صورة الغربان الأرثوذكس ونضع عوضها صورة رمز مغربي يهودي عربي أمازيغي، وهي صورة المفكر والمثقف المغربي إدمون عمران المليح، الذي يعرف الجميع أنه كان مناصرا شرسا للشعب الفلسطيني وأدى الثمن من أجل مواقفه، والمعروف بقولته الشهيرة وهي: “أنا لا أعرف دولة اسمها إسرائيل”،… ومعه صورة المناضل اليهودي المغربي الفقيد سيون أسيدون، أحد مؤسسي حركة مقاطعة إسرائيل والمعادي البارز للصهيونية والمناصر القوي للشعب الفلسطيني، والذي أكد أمام شاشة صوت المغرب: “التطبيع مع إسرائيل استعمار جديد”.

اقرأ المقال كاملاً على لكم