الاتّحاد من أجل المتوسّط: مشروع واعد لم يكتمل بعد

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

ناصر كامل، الأمين العام للاتحاد من أجل المتوسط

لا يعبر المرء النهر ذاته مرتين، فكلاهما في تجدد مستمر. تلك هي المقولة الفلسفية القديمة التي تنطبق على الاتحاد من أجل المتوسط، وهو ما أشعر به وأنا أودعه.

الاتحاد الذي أغادره اليوم ليس هو ذاته الذي انضممت إليه قبل ثمانية أعوام. تغيرت المنطقة بعد سنوات من الإبحار في مياه مضطربة أنهكتها النزاعات والأزمات الإقليمية والدولية. ومع ذلك، أشعر وأنا أغادر موقعي هذا بأهمية الدفاع عن هذا الكيان ورسالته. فتلك المنظمة يراها البعض مجرد إطار مؤسسي، بينما أراها إجابة لم تكن يوماً أكثر إلحاحاً مما هي عليه اليوم.

إن الاتحاد من أجل المتوسط ليس فقط إطاراً ديبلوماسياً ضمن جدول أعمال الاجتماعات الإقليمية، يلتقي في سياقه وزراء خارجية الدول الأعضاء لبحث القضايا المشتركة وصولاً لمعالجات وحلول جامعة. بل إنه يمثل في جوهره مساراً يضفي على المتوسط هوية ذاتية بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والإنسانية، لمنطقة تصبو للعمل الجماعي من أجل استقرارها وازدهارها.

 

 

 

 

ولا يمكننا أن نغفل أن هذا الإطار المؤسسي نجح على مدار السنوات الماضية في تأمين التوافق حول أولوية التعامل مع عدد من التحديات التنموية والبيئية التي تواجه منطقتنا.

كما ساهم في حشد أكثر من مليار يورو لمشروعات في مجال الاقتصاد الأزرق المستدام في كل من مصر والأردن والمغرب. وأطلق، بإجماع كل أعضائه، أول آلية حكومية إقليمية لرصد التقدم المحرز في مجال تمكين المرأة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.

كما ساهمت اجتماعاته القطاعية في تعزيز تبادل الخبرات والتخطيط المشترك في العديد من المجالات، أبرزها التعليم والشباب والبحث العلمي والاستثمار والتجارة والتحول الرقمي وأمن الغذاء والطاقة والمياه. وأطلق مبادرة العواصم المتوسطية للثقافة والحوار، لأن الثقافة في هذه المنطقة ذاكرة مشتركة، وجسر يتجاوز تعقيدات الواقع السياسي.

وفضلاً عما تقدم، فإن المنظمة أضحت مرجعية في مجالات تقييم تأثير تغير المناخ على مقدرات دولنا، وكذا متابعة واقع جهود تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وذلك من خلال دراسات تعد المصدر الأساسي في تشكيل وعي صانعي القرار والمختصين. 

 

وبالتوازي، تم تحديث الأمانة العامة للاتحاد لمواكبة المتغيرات في المنطقة من خلال فريق عمل الأمانة العامة الذي حظيت بقيادته خلال الأعوام الثمانية الماضية، والذي يضم نخبة من الكفاءات الاستثنائية من مختلف دول المنطقة. وهم يمثلون الثروة الحقيقية للاتحاد من أجل المتوسط بإخلاصهم وتفانيهم وخبراتهم.

 

 

المعوقات؟

 

ورغم هذا كله، كان ينبغي أن نحقق المزيد من الإنجازات. إلا أن واقع المتوسط، وما يسوده في بعض الأحيان من تجاذبات وانحيازات، وقف حائلاً أمام تعظيم الاستفادة من إمكاناته.

لقد اكتسبت النزاعات في منطقتنا بعداً كارثياً في أعقاب الحرب على غزة التي تهدد بمحو مكتسبات تراكمت على مدى عقود. غير أن ثمة مخاطر أخرى لا نتحكم فيها كلياً، وليس بمقدورنا إلا أن نسعى إلى استشرافها والتخفيف من وطأتها ومواجهتها جماعياً. تشمل تلك التحديات تغير المناخ، والتدهور البيئي، وشح الموارد، ومعدلات البطالة المرتفعة في صفوف الشباب، والفوارق الاقتصادية والديموغرافية بين دولنا.
الخطر ليس فقط في ما يواجهنا من تحديات، بل أيضاً في خياراتنا إزاء حتمية التعاون الإقليمي.

فبعد أكثر من ثلاثة عقود على إطلاق مسار برشلونة، لم يتطور التعاون الأورومتوسطي ليحتل موقعه الطبيعي، ولا يزال هناك تمسك بالمسارات الثنائية على حساب العمل الإقليمي، وتقديم المصالح الضيقة والمكاسب الآنية على نهج التعاون المشترك. ولا يزال الخطاب السياسي للشمال يصنف الجنوب كدول متلقية للمساعدات الإنمائية، وليس كمشاركين في بناء مستقبل منطقتنا.

 

وعلى الرغم من المنطق القوي لأهمية التعاون الإقليمي في المتوسط، سواء من خلال تعزيز التجارة والاستثمار وسلاسل القيمة، أو تطوير البنى التحتية والتواصل الرقمي، أو بناء الثقة السياسية التي تجعل كل ذلك ممكناً، لا يزال لدى البعض قصر نظر استراتيجي يدفعهم للعزلة، وكأن الحقيقة البديهية التي تفرضها الجغرافيا اتصالاً بأهمية التعاون بين دول الجوار أضحت مسألة قابلة للتفاوض.

 

الهواجس الأمنية

 

وتظل الهواجس الأمنية عقبة أمام حركة الأشخاص في منطقة من الصعب إقناع شبابها بجدوى التكامل الإقليمي، بينما يعاقب بقيود كلما أراد السفر للدراسة أو التدريب أو العمل. وفي الوقت نفسه، يتم إهمال النساء والشباب والمجتمعات الريفية إلا حين تتصدر صور معاناتهم العناوين إثر كارثة بيئية، وهو ما يستوجب بناء قدرة مجتمعاتنا المسبقة على مواجهة الأزمات، لا الاكتفاء بإحصاء الضحايا ومداواة الجراح بعد وقوعها.

 

لقد عانى المتوسط سلسلة متصاعدة من الأزمات التي أكدت الحقيقة البديهية نفسها، وهي أنه ليس هناك دولة تستطيع وحدها مواجهة التحديات المتنامية وتشابكاتها المتزايدة بمفردها. ومع ذلك، لا تزال منطقتنا تلجأ إلى تدابير منفردة في التعاطي مع مثل هذه الأزمات.

 

يضاف إلى ذلك أن نظرة واحدة إلى المخصصات المالية للاتحاد تكشف مفارقة يصعب استيعابها، لأن الطموحات كبيرة، والتوصيات الوزارية تدعو إلى انخراط أعمق في دعم هذا الإطار المؤسسي، لكن الأمانة العامة تظل مقيدة بميزانية محدودة وعدم يقين مالي، يضاف إليه غياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى دول ما زالت تفضل المسار الثنائي على المسار الإقليمي.

 

يقين وتساؤل

 

أغادر وفي ذهني يقين وتساؤل. أما اليقين، فهو أن الاتحاد من أجل المتوسط لا يزال الإطار الأنسب لبناء منطقة قادرة على المنافسة، والتحرك كتكتل اقتصادي وسياسي أكثر تماسكاً، في لحظة فارقة للعلاقات الدولية تشهد إعادة ترتيب التكتلات والمصالح.
وأما التساؤل، فهو بسيط وصعب في آن واحد: هل الدول الأعضاء جادة فعلاً في تبني هذه الرؤية، وهل هي مستعدة للاستثمار في الاتحاد لا بوصفه إطاراً إقليمياً ضمن تخمة من الأطر المتعددة الأطراف، أم بوصفه رؤية تقوم على تطلعات مشروعة لمنطقة يرتبط حاضرها ومستقبلها بمدى قدرتها على العمل الجماعي؟
إلى أن تأتي الإجابة، ستواصل أمانة الاتحاد العمل والعطاء بما يتاح لها. فالنهر لا يتوقف عن الجريان، وإن تغيرت مياهه.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية