الاتفاق المؤجل بين واشنطن وطهران

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لا يبدو أن استئناف المحادثات الأميركية الإيرانية يعني بالضرورة أن المنطقة باتت على أعتاب تسوية شاملة، كما أن غياب موعد نهائي لإبرام اتفاق لا يعكس مجرد مرونة تفاوضية، بل يكشف حجم التعقيدات التي تحيط بالملف.

فبعد سنوات من العقوبات، والتصعيد العسكري، والحروب المباشرة وغير المباشرة، لم يعد الخلاف بين واشنطن وطهران مقتصراً على البرنامج النووي، وإنما أصبح مرتبطاً بشبكة واسعة من الملفات الأمنية والسياسية والإقليمية التي تجعل أي اتفاق أكثر صعوبة مما توحي به التصريحات الإعلامية.

من حيث المبدأ، تبدو لدى الطرفين دوافع واضحة للعودة إلى طاولة المفاوضات، فالولايات المتحدة تدرك أن استمرار التوتر في الخليج العربي والشرق الأوسط يفرض عليها أعباء عسكرية واقتصادية وسياسية، في وقت تتجه فيه أولوياتها الاستراتيجية بصورة متزايدة نحو منافسة الصين واحتواء روسيا.

أما إيران، فقد أنهكتها سنوات العقوبات والعزلة، وأصبحت بحاجة إلى متنفس اقتصادي يخفف الضغوط الداخلية، ويعيد جزءاً من قدرتها على الحركة في الأسواق المالية وأسواق الطاقة.

لكن وجود مصلحة مشتركة في الحوار لا يعني بالضرورة وجود رؤية مشتركة للاتفاق، فلكل طرف تعريفه الخاص لما يعد نجاحاً او نصراً، ولكل منهما خطوط حمراء لا يرغب في تجاوزها.

الولايات المتحدة لا تبحث فقط عن تجميد البرنامج النووي الإيراني، وإنما تسعى إلى اتفاق يمنع طهران من امتلاك قدرة نووية عسكرية مستقبلاً، ويضمن رقابة طويلة الأمد، ويحد من تطوير الصواريخ الباليستية، ويقيد النفوذ الإيراني في الإقليم بصورة أو بأخرى.

وفي المقابل، ترى إيران أن أي اتفاق يجب أن يتضمن رفعاً فعلياً للعقوبات، وضمانات بعدم انسحاب أي إدارة أميركية مستقبلية منه كما حدث سابقاً، إضافة إلى الاعتراف بحقها في تطوير برنامج نووي سلمي وعدم المساس بمنظومتها الدفاعية.

وهنا تكمن الفجوة الأكبر، إذ إأن كل طرف يسعى لتعزيز أوراق القوة قبل تقديم أي تنازل حقيقي، لذلك تتحول المفاوضات إلى عملية معقدة من اختبار النوايا، وقياس موازين القوى، وإدارة الوقت، أكثر من كونها سعياً سريعاً نحو تسوية نهائية.

 تعقيدات التفاصيل الفنية

كما أن التفاصيل الفنية تمثل عقبة لا تقل أهمية عن الخلافات السياسية، فعدد أجهزة الطرد المركزي، ونسب تخصيب اليورانيوم، وآليات التفتيش، وجدول رفع العقوبات، وآلية إعادة فرضها عند الإخلال بالاتفاق، كلها ملفات تقنية تبدو في ظاهرها مسائل إجرائية، لكنها في الواقع تعكس توازنات سياسية وأمنية دقيقة، وغالباً ما كانت هذه التفاصيل سبباً في تعثر جولات تفاوض سابقة، رغم التوافق على المبادئ العامة.

إلى جانب ذلك، لا يمكن فصل المفاوضات عن البيئة الإقليمية المحيطة بها، فإسرائيل تنظر إلى أي اتفاق لا يفرض قيوداً صارمة على البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها، بينما تراقب دول الخليج العربي نتائج المحادثات من زاوية تأثيرها في أمن المنطقة وتوازناتها، كما أن روسيا والصين تمتلكان بدورهما مصالح مرتبطة بمستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، سواء على المستوى الاقتصادي أم الجيوسياسي، وهو ما يجعل الملف الإيراني جزءاً من التنافس الدولي الأوسع، وليس مجرد قضية ثنائية.

وفي قلب هذه الملفات يبرز مضيق هرمز باعتباره أكثر من مجرد ممر مائي، فالعالم الذي عانى اضطرابات سلاسل الإمداد بعد جائحة كورونا، ثم تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، أصبح أكثر حساسية تجاه أي تهديد يمس طرق التجارة الدولية، خصوصاً تلك التي يمر عبرها جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، ولم يعد أمن مضيق هرمز قضية خليجية أو أميركية فحسب، بل تحول إلى مصلحة اقتصادية دولية تتقاطع عندها مصالح آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.

الحسابات الداخلية للطرفين

وتزداد الصورة تعقيداً مع الحسابات الداخلية للطرفين، ففي الولايات المتحدة، يبقى الملف الإيراني خاضعاً للتجاذبات بين الحزبين، ما يجعل أي إدارة حريصة على تجنب تقديم تنازلات قد تفسر على أنها ضعف سياسي، وفي إيران، تواجه القيادة ضغوطاً من المؤسسات المحافظة والتيارات الرافضة لأي اتفاق لا يحقق مكاسب واضحة ويحفظ ما تعتبره سيادة القرار الوطني.


يبقى القول، إن المفاوضات الأميركية الإيرانية تبدو أقرب إلى إدارة للصراع منها إلى حسم له، فالإرادة السياسية للحوار موجودة، لكن الثقة لا تزال محدودة، والرهانات الإقليمية والدولية أكبر من أن تحسم في جولة أو جولتين من التفاوض، وبين رغبة الطرفين في إنهاء مرحلة مكلفة من المواجهة، وإصرار كل منهما على تعظيم مكاسبه الاستراتيجية، ستبقى فرص التوصل إلى اتفاق شامل مرتبطة بمدى الاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة، وهو أمر لا تزال مؤشراته حتى الآن محدودة.

 

* باحث ومستشار سياسي

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية