الاتحاد الأوروبي يشدد إجراءات "الهجرة السرية".. والمغرب تحت دائرة الأضواء

توصل مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي، الاثنين، إلى اتفاق بشأن إعادة مواطني الدول الثالثة المقيمين بشكل غير قانوني على الأراضي الأوروبية، يفرض التزامات على مواطني الدول الثالثة (الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي) الذين لا يملكون الحق في الإقامة في الدول الأعضاء للتعاون مع السلطات. كما يضع أدوات لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، ويتوخى إنشاء “مراكز عودة” في دول خارج الاتحاد، حسب ما أفاد به بيان لمجلس هذا الأخير.

ووفقا للمصدر ذاته، تحدد اللائحة الجديدة التزامات صارمة على الأشخاص الذين ليس لديهم الحق في البقاء بالاتحاد الأوروبي، لا سيما شرط مغادرة الدولة العضو المعنية والتعاون مع سلطاتها الوطنية، إلى جانب تحديد العواقب المترتبة على الأشخاص الذين لا يمتثلون لالتزام التعاون، وتشمل تقليص المزايا والمنح، ورفض منح حوافز لتشجيع العودة الطوعية، إضافة إلى إمكانية فرض عقوبات جنائية، بما في ذلك السجن، حيثما يسمح القانون الوطني للدول الأعضاء بذلك.

وتسمح القواعد الجديدة المتفق عليها للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بإنشاء “مراكز عودة” في دول ثالثة للأشخاص الذين ليس لديهم الحق في الإقامة.

هذه المراكز يمكن أن تعمل إما كوجهة نهائية أو كمراكز عبور (ترانزيت) لتسهيل العودة اللاحقة إلى بلد المنشأ أو إلى بلد ثالث آخر، على أنه لا يجوز إبرام أي اتفاق أو ترتيب من هذا القبيل إلا مع دولة ثالثة تحترم المعايير الدولية لحقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي، بما في ذلك مبدأ عدم الإعادة القسرية.

منظومة مؤسساتية وتجربة مغربية

في هذا الصدد، قال عبد الحميد جمور، باحث في قضايا الهجرة والتنمية، إن “هذا الاتفاق الأوروبي يأتي في سياق يتسم بتصاعد الضغوط السياسية والأمنية المرتبطة بتدفقات الهجرة وتنامي حضور الأحزاب اليمينية والشعبوية في أوروبا، التي جعلت من التحكم في الحدود والهجرة أحد أهم محاور خطابها الانتخابي. كما يأتي في مرحلة يسعى فيها الاتحاد الأوروبي إلى الانتقال من إدارة أزمات الهجرة بشكل ظرفي إلى بناء منظومة مؤسساتية متكاملة للحكامة الهجرية”.

وأضاف جمور، في تصريح لهسبريس، أن “هذا القرار لا يمثل قطيعة جذرية مع السياسات السابقة، بقدر ما يشكل حلقة تنفيذية مكملة لـ ‘ميثاق الهجرة واللجوء’؛ فالميثاق وضع الإطار العام لإدارة الحدود واللجوء، بينما تأتي هذه اللائحة لتقوية الحلقة الأضعف تاريخيا في السياسة الأوروبية، وهي تنفيذ قرارات الإعادة والترحيل”، مشددا على أن “نجاح هذه السياسة يظل رهينا بقدرتها على تحقيق التوازن بين فعالية الإعادة واحترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحماية الفئات الهشة، وهو التحدي الأكبر الذي سيواجه المؤسسات الأوروبية خلال السنوات المقبلة”.

وحول تأثير هذه السياسة الجديدة على المغاربة المتواجدين بأوروبا، ذكر الباحث ذاته أنه “ينبغي التمييز أولا بين الجالية المغربية المقيمة بصفة قانونية، التي لن تتأثر مباشرة بهذا القرار، وبين فئة المهاجرين في وضعية غير نظامية الذين قد يصبحون أكثر عرضة لإجراءات الإعادة”، مضيفا أن “هذا التوجه قد يؤدي إلى زيادة الشعور بالهشاشة وعدم الاستقرار لدى المهاجرين غير النظاميين، خاصة أولئك الذين يعيشون منذ سنوات داخل المجتمعات الأوروبية دون تسوية أوضاعهم القانونية. كما يمكن أن يؤثر على اندماجهم الاجتماعي والمهني، نظرا لتزايد المخاطر المرتبطة بالكشف عن وضعيتهم الإدارية”.

وزاد: “نظريا، يبقى المغرب من الدول التي تربطها شراكة استراتيجية متقدمة مع الاتحاد الأوروبي في مجال تدبير الهجرة، كما راكم تجربة مهمة في تنزيل الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء منذ سنة 2013. ومن الناحية القانونية والسيادية، فإن استضافته ‘مراكز العودة’ تطرح إشكالات معقدة تتجاوز التعاون التقليدي في مجال الهجرة؛ فهذه المراكز قد تنقل جزءا من أعباء تدبير الهجرة الأوروبية إلى أراضي دول خارج الاتحاد، وهو ما يثير أسئلة مرتبطة بالسيادة الوطنية والمسؤولية القانونية والقدرة المؤسساتية على التدبير”.

وشدد على أن “المغرب سيتعامل مع أي مقترح من هذا النوع بمنطق المصالح الاستراتيجية المتبادلة، وليس بمنطق الاستجابة التلقائية للضغوط الأوروبية.

فالموقف المغربي ظل تاريخيا قائما على مبدأ تقاسم المسؤولية، ورفض تحويل دول العبور إلى مناطق احتجاز أو توطين دائم للمهاجرين الذين لا تربطهم بها روابط قانونية أو اجتماعية. كما أن المغرب يحرص على تقديم نفسه كنموذج إفريقي في الحكامة الإنسانية للهجرة، وهو ما يجعله حريصا على عدم الانخراط في ترتيبات قد تثير انتقادات حقوقية أو تمس صورته الدبلوماسية على المستوى الدولي”.

عقيدة دبلوماسية وعمق دولي

في سياق متصل، قال عبد الإله الخضري، فاعل حقوقي باحث في قضايا الهجرة وحقوق الإنسان، إن “المغرب كان ولا يزال في صدارة الدول المستهدفة والمقترحة أوروبيا لاستضافة هذا النوع من منصات الإنزال أو ‘مراكز العودة’ خارج حدود الاتحاد الأوروبي، وذلك لاعتبارات جيو-سياسية وجغرافية معروفة.

لكن، وبالنظر إلى العقيدة الدبلوماسية المغربية، أرى أن المغرب ليس فقط غير مستعد، بل يملك من الأوراق ما يجعله يرفض وبقوة التحول إلى ‘مستودع خلفي’ لسياسات الهجرة الأوروبية الفاشلة”.

وأضاف أن “اشتراط القرار الأوروبي احترام حقوق الإنسان ومبدأ عدم الإعادة القسرية في ‘الدول الثالثة’، هو في عمقه محاولة لمنح غطاء أخلاقي وقانوني لعملية تعهيد الحدود (sous-traitance des frontières)، وهي مقاربة أثبتت التجربة الدولية (كالنموذج البريطاني الرواندي) أنها تنتج مناطق رمادية تنتهك فيها الحقوق الأساسية للمهاجرين وتغيب عنها الرقابة القضائية الفعلية”.

وزاد: “أما عن كيفية تعامل المغرب مع الضغوط الأوروبية المتوقعة، ففي تقديري ستكون مبنية على ثلاث ركائز استراتيجية، منها التمسك بالسيادة الوطنية والرفض المبدئي؛ فالمغرب صرّح في محطات تاريخية عديدة، على لسان كبار مسؤوليه، برفضه القاطع للعب دور ‘دركي أوروبا’ أو القبول بإقامة مراكز احتجاز للمهاجرين فوق ترابه. هذا الموقف نابع من كون المغرب صاغ نموذجا خاصا به عبر الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء التي أطلقها الملك منذ 2013، التي نقلت المملكة من بلد عبور إلى بلد إقامة. وبالتالي، فإن القبول بهذه المراكز سيفكك هذه المكتسبات الحقوقية ويضرب مصداقية المغرب كقائد إفريقي في هذا الملف”.

وتوقع المصرح لهسبريس أن “يمارس الاتحاد الأوروبي ضغوطا عبر ربط هذا الملف بالمساعدات المالية، أو التسهيلات التجارية، أو اتفاقيات الشراكة المتقدمة. هنا، يمتلك المغرب أوراق ضغط قوية جدا وحيوية لأوروبا، تتجلى في التنسيق الأمني الاستخباراتي، والجهود الهائلة التي تبذلها القوات المغربية يوميا لضبط الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر. المغرب سيتفاوض من موقع الند للند، مؤكدا أن مقاربة ‘الكل الأمني’ الأوروبية لا يمكن أن تنجح على حساب أمن واستقرار دول الجنوب”.

وشدد على أهمية “التحصن بالعمق الإفريقي والدولي؛ فالمغرب لن يواجه هذه الضغوط بشكل منفرد، بل يملك فرصة الاستناد إلى الميثاق العالمي للهجرة (ميثاق مراكش)، وبالتالي يحق له أن ينسق موقفا موحدا مع الاتحاد الإفريقي لرفض أي سياسات تمييزية أو إقصائية تفرضها بروكسل كأمر واقع، مع التأكيد المستمر على أن الحل الحقيقي لملف الهجرة يكمن في التنمية المشتركة وفتح قنوات هجرة آمنة ونظامية، وليس في عولمة مراكز الاحتجاز”.

The post الاتحاد الأوروبي يشدد إجراءات "الهجرة السرية".. والمغرب تحت دائرة الأضواء appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress