الاتحاد الأوروبي أمام تحديات جمّة
نعيش اليوم لحظة تاريخية تشهد تحولات رئيسية على المستويين العالمي والإقليمي (مختلف أقاليم العالم ولو بدرجات متفاوتة). تحولات تنتج منها سمات في العلاقات الدولية، بعضها بدأ بالاستقرار كقواعد ناظمة مستقبلا للعلاقات بين الدول، وبعضها الآخر ما زال في طور التشكل، في نظام عالمي جديد يوصف بـ"نظام ما بعد الحرب الباردة".
البعض "يستشرف" قيام نظام ثنائي القطبية (الولايات المتحدة الأميركية والصين الشعبية)، باعتبار أن الأخيرة تعود من بوابة الجغرافيا الاقتصادية إلى الجغرافيا السياسية أيضا. البعض الآخر يرى قيام نظام ثلاثي القطبية مع روسيا الاتحادية ولو في موقع أقل ثقلا من القطبين الآخرين بسبب الضعف في الشق الاقتصادي مقارنة بهما. نظام يقوم على التفاهمات والتحالفات بالقطعة، لا التحالفات المقفلة، أيا كان الخطاب السياسي لهذا الطرف أو ذاك.
في هذا الإطار العالمي الجديد الذي يتشكل، يبرز تراجع دور طرف دولي شريك أساسي في "القطب أو الحلف الغربي"، في النظام الدولي الذي انتهى تدريجا، وهو الاتحاد الأوروبي. الطرف الذي كان يشكل نموذجا للتعاون الإقليمي المتعدد البعد والهدف، ولو أنه ما زال الأكثر تقدما في هذا المجال.
أسباب عديدة وراء تراجع وزن الاتحاد الاوروبي ودوره على الصعيد العالمي. من هذه الأسباب ما يعيده البعض إلى التوسع السريع بضم الدول الأوروبية المولودة سياسيا من جديد، إلى الاتحاد، بعد سقوط الحلف الشرقي بقيادة موسكو السوفياتية والتكلفة الكبيرة على الصعيد الاقتصادي في تلك العملية، رغم أهميتها السياسية. البعض الآخر يرجع ذلك أيضا إلى بروز عوائق موضوعية "وطنية" تعكس أولويات مختلفة في السياسة والاقتصاد والدفاع والمال والأمن، قد تعبّر عن رؤية مختلفة ناتجة من تطورات رئيسية على الصعيد الوطني عند هذه الدولة أو تلك، رغم التفاهم على الأسس الإستراتيجية في عملية البناء الأوروبي.