الإنسان… بين خطيئة آدم وخطيئة الشّيطان! (2)

رأينا في الحلقة الأولى من هذا المقال، كيف أنّ الإنسان يظَلّ في دائرة “الخطأ الآدميّ” متى ما اعترف بذنبه وكرهه وتاب منه واستغفر وسعى للتخلّص منه.. لكنّه ينتقل إلى دائرة “الخطأ الإبليسيّ” حينما تأخذه العزّة بذنبه ويبحث عن المبرّرات لينفي عن نفسه الخطأ ويلقي بالتبعة على غيره.. وذكرنا نماذج لأحوال يتّصف بها كثير من المسلمين في هذا الزّمان، تدلّ على أنّ الشيطان قد استدرجهم إلى مساحته وجعلهم يتعايشون مع الذّنوب والخطايا ويبرّرون إصرارهم عليها بحجج أدحض من حجّة إبليس الأولى ((قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين))!
مثال آخر لتبرير الخطيئة في واقعنا، تَبرز في تعاملنا مع خذلان المستضعفين من إخواننا؛ فمعلوم أنّ خذلان المسلمين ذنب عظيم ومعصية كبيرة، والعبد المسلم إذا ذرف دموعه وهو يرى ما يجري على إخوانه في غزّة والسّودان ولبنان وتركستان، وتمنّى من قلبه أنْ لو أمكنه تقديم يد العون، وسأل الله أن يرحم تقصيره، ودافع عن المظلومين بلسانه وقلمه؛ فإنّه -مع تقصيره- داخل في عفو الله ومغفرته.. لكنّه إذا جعل يبحث لنفسه عن المبرّرات، ويدافع عن الخاذلين والخائنين، ويشرعن الخذلان باسم الدّين! فإنّه سينتقل من معصية آدم إلى معصية إبليس.. إذا فهمنا هذا علمنا فداحة ما يقترفه أولئك الذين يحرّفون دين الله ليبرّروا لأنفسهم ولولاة أمورهم الخذلان والخيانة والتطبيع؛ أولئك الذين يقولون لا جهاد إلا بإذن ولي الأمر! أو يقولون إنّ المجاهدين في غزّة أخطؤوا حينما دخلوا هذه الحرب وهم ضعفاء. ويصرّون على أنّ المجاهدين في غزّة هم سبب ما يحصل للمستضعفين هناك، وينسون أنّ خذلانهم هو السبب، الله –تعالى- يقول: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ))، وهؤلاء المفتونون يقولون إن المجاهدين هم سبب الفساد!
مثال آخر: تجد المسلم يرى شدّة بلاء الأمّة ببعض الأمراء الذين حذّر النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- من فعلهم، حتى قال إنّ فعلهم أشدّ من فعل الدجّال، فقد روى الإمام أحمد عن أبي ذرّ –رضـي الله عنه- قال: كنتُ أمشي مع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلّم- فقال: “لَغَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَى أُمَّتِي” قَالَهَا ثَلَاثًا. قال أبو ذرّ: يا رسول الله، ما هذا الذي غير الدّجّال أخوفك على أمّتك؟ قال: “أَئِمَّةً مُضِلِّين”. مع ذلك هذا التحذير النبويّ الشّديد، تجد المفتون يبحث عن المبرّرات لتعطيل هذا الحديث وإلغائه، ويسمع مع ذلك حديث النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-: “أفضلُ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عند سُلطانٍ جائرٍ”، فيرى أنّ العمل به ربّما يفسد دنياه ويضيّع عليه منصبه ومكانته، وربّما يعرّضه للتّنكيل؛ فماذا يفعل؟ هل يكتفي بالسّكوت؟ هل يعترف بالحقّ ويقرّ بخوفه ويشهد لمن يعملون بالحديث أنّهم أفضل منه؟ كلاّ، لكنّه يؤوّل الأحاديث، ويبحث لنفسه الخائرة عن مبرّر في سكوتها! والمصيبة الأكبر أنّه يحرّف دين الله ليبرّر لنفسه خورها، فتجده يستدلّ بأحاديث وآثار غير صحيحة ليعطّل النصوص الصحيحة الصريحة ويتوصّلَ إلى القول بتحريم الإنكار العلني! فتكون معصيته من جنس معصية إبليس، بل إنّ قلبه يصير كقلب إبليس! نجد مصداق ذلك فيما أخبر به النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- عن هؤلاء الذين يحرّفون دين الله لإرضاء أمرائهم وحكّامهم بأنّ قلوبهم قلوب الشياطين، فقال: “يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس” (رواه مسلم).
لأجل كلّ ما سبق؛ ينبغي لكلّ عبد يرجو نجاته أن يحذر الوقوع في مصيدة إبليس؛ متى أذنب لضعف نفس أو شهوة أو غفلة، فليعترف بذنبه كما اعترف أبوه آدم، وليقل: “ربّ إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي، ربّ أعنّي على نفسي، ربّ وفّقني لترك هذا الذّنب”، ولْيجاهد نفسه في ذات الله حتى يترك الذّنب، وليحذر أشدّ الحذر من الشّيطان أن يسوّل له تبرير خطئه والدّفاع عن نفسه.. مهما رأى النّاس من حوله يخطئون ويضحكون وهم يذنبون، فلا يكن مثلهم، لِيَبكِ على خطيئته ولْيستشعر عظمة من يعصي، وليتذكّر وقوفه بين يديه للحساب والعتاب؛ فالله أعظم وأجلّ من أن نبرّر أخطاءنا في حقّه.
كما ينبغي للعبد أن يحذر خطوة أخرى من خطوات الشيطان التي قد تنقله –مع طول العهد- إلى دائرة “الخطأ الإبليسيّ”، وهي تأخير التوبة والتكاسل في مجاهدة النفس على ترك الخطأ؛ فكلّ ابن آدم خطّاء، لكنّ ابن آدم حقيقة هو من يسارع إلى التّوبة كلّما عاد إلى الذّنب، يقول الله –تعالى-: ((إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب))؛ التوّاب هم من يسارع إلى الاعتراف والنّدم والتوبة من قريب، ولا يصرّ على ذنبه مهما صوّر له الشيطان أنّ الاعتراف سيضيّع عنه حظوظا كثيرة من الدّنيا أو أنّه سيسقطه في أعين النّاس.
ليحذر العبد أن تخدعه نفسه فتقول له: “ما دمت تعترف بخطئك فلا بأس أن تستمرّ فيه”! نعم، الاعتراف بالخطأ خير من تبريره، لكنّ ذلك مشروط بأن يكون العبد ساعيا في تقديم الأسباب التي تبعده عن الذّنب، أمّا إن كان يعترف بالخطأ ثمّ يظلّ متصالحا مع أسبابه، فهذا أيضا باب من أبواب الانحراف مفتوح على مساحة “الخطيئة الشيطانية”. فلا ينبغي للعبد أن يسمح لنفسه بأن تخدعه بقولها إنّه ما دام على خطيئة آدم فهو على خير! للمعصية ضريبة يدفعها العبد مهما تاب وأناب، حتّى يطهّر من ذنبه. وأبونا آدم -عليه السّلام- الذي تاب وأناب، لم يترك من دون عقاب؛ لقد أخرج من الجنّة ونزل إلى الأرض. هو قد عاد إلى الجنّة بعد موته، لكنّه لو لم يذنب لكان قد عاش الدّنيا والآخرة في الجنّة.. وهكذا العبد إذا لزم الاستقامة وحذِر الذّنوب ما استطاع، فإنّه يعيش جنّة الدّنيا بقلبه، أمّا إن كان ينتقل من معصية إلى أخرى، فإنّه وإن تاب من كلّ معصية، فإنّه يعاقب بشيء من الهموم والغموم في قلبه.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post الإنسان… بين خطيئة آدم وخطيئة الشّيطان! (2) appeared first on الشروق أونلاين.