الإصلاح الحقيقي لا يبدأ برفع رواتب أصحاب السلطة
زينب سعد
في لبنان، ما زال الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع الخاص لا يتجاوز 28 مليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل نحو 312 دولاراً شهرياً، ما يضع عشرات آلاف الموظفين والعائلات في صراعٍ يوميٍ لتأمين أبسط مقومات الحياة. هذا الراتب لا يكفي لتأمين بدلات السكن ودفع فواتير الكهرباء والماء والاشتراك، ولا لتأمين الحد الأدنى من الغذاء، ناهيك عن الطبابة والتعليم، فيما بقي موظفو القطاع العام ينتظرون إصلاحاً حقيقياً لسلسلة رواتبهم، وتكتفي الدولة بمنح مؤقتة ومساعدات، هي مجرد مسكنات موضعية، لا تعالج أساس المشكلة.
في المقابل، تُقر الدولة، وبسرعة لافتة، زيادات على مخصصات النواب، لتصل رواتبهم إلى ما يقارب 5000 دولار شهرياً.
هنا لا تكمن المشكلة في أن يتقاضى النائب راتباً يليق بمسؤوليته أبداً، بل في أن يصبح الفارق بين من يشرّع القوانين ومن يعيش تحت وطأتها شاسعاً إلى هذا الحد الكبير.
فكيف يمكن لنائب يتقاضى آلاف الدولارات أن يشعر بمعاناة موظف يقبض 312 دولاراً؟ كيف يستطيع أن يدرك معنى أن يحتار ربّ أسرة بين شراء الدواء أو دفع فاتورة الكهرباء، أو بين تسجيل ابنه في المدرسة وتأمين حاجات المنزل؟
حين يصبح دخل ممثل الشعب يزيد بأضعاف مضاعفة عن دخل المواطن الذي يمثله، تتسع الهوة بين السلطة والناس، ويصبح الحديث عن العدالة الاجتماعية مجرد شعار لا أكثر.
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ برفع رواتب أصحاب السلطة، بل بإعادة الاعتبار لكرامة العامل، وحماية القوة الشرائية، وربط الأجور بتكاليف المعيشة، وإقرار سياسة عادلة تضمن لكل مواطن حياةً كريمة.
لا يمكن بناء دولة يكون فيها المسؤول محصناً من الأزمة، بينما يُترك المواطن وحيداً في مواجهتها.
الأوطان لا تُقاس بما يتقاضاه أصحاب المناصب، بل بما تؤمنه لأضعف مواطنيها.
إن العدالة لا تعني أن يزداد راتب النائب، بل أن يشعر المواطن بأن دولته تبدأ به قبل أن تبدأ بمن يحكمه.